بقلم: د. عطالله أبو السبح
في الحلقتين السابقتين قفزت عن السياق إلى الخلف للوقوف على أصول هذه الأوسلو (الجريمة)، والتي أراد منها يهود وأذنابهم أن يحقوا الباطل ويبطلوا الحق... ليجعلوا من (إسرائيل) حقيقة تاريخية وقانونية ودولية، وأن يوقعوك في حبائلها، ويجردوا الكتيبة الخضراء من عزيمتها، فحاولوا أن يشطبوا الماضي، بكل ما فيه ومن فيه من حقوق وذكريات وأسرار الحياة، ويقطعوا ما بين الفلسطيني وسر بقائه من وشانج وشرايين، ويجعلوا منك شاهداً ووكيلاً، على تجريدك من كل ذلك،التي يمثل استمساكك بها عروتك الوثقى مع الكون والحياة، وإلا فسيراك أوري على الصورة التي يراهم عليها (أقزاماً) ويرى نفسه على الصورة التي يظن أنه عليها (عملاقاً)، وتعطي لهم سر المغارة؛ ليدخل إليها حرامية الدنيا وسفلتها، ولكنك لم تتجرد، فأغروا بك الأقزام، يستدرجونك بالتقافز من حولك وبمعسول البيان وتزاويق الديمقراطية، وإذا بك في المقدمة، ولم تقو أيديهم أن يدفعوا بك إلى قاع الجرف، فأخذوا بالتحريش والتجييش لتوهينك، فلم يزدك ذلك إلا عنفواناً، بل – وكما سبق وقلت- طلعت عليهم طلوع المنون، وما كان ذلك إلا لأنهم:
1. جاءوك بقلوب مكسورة قد عضتها الشهوات فاستنزفتها، وجعلت منها ظامئة للمزيد، ومن كان هذا حاله يقف قبالة أوري قزماً، فما بالك بمن يقف أورى قبالته أشد (قزامة).
2. جاءوك من ساحات الهزائم، من أيلول عمان وأيلول بيروت وأيلول أوسلو ومن لاحقته الهزائم لا يبلغ النصر إلا بامتلاك أسبابه، وأسبابه لا سبيل إليها إلا بفناء المفسدين، وهيهات هيهات، فلقد فرخوا جيلاً أشد فساداً من أكابر مجرميه.
3. جاءوك تلسعهم سياط النبذ، والفاقة، يلهثون وراء ذهب المعز، ويرعبهم سيفه، ومن كان هذا حاله فقد استمرأ حياة العبيد، والعبيد لا شأن لهم بالحرية، ولا يحرصون عليها، وإن لاحت، ويا ضيعة الأوطان على أيدي العبيد.
4. جاءوك بقرار فرد قد اتبع هواه فكان أمرهم (فُرُطا) يعطى لسارقيه كل شيء، ولا يأخذ منهم شيئاً، ولو وعداً، يظهرون له رضاهم وإن أذلهم، ولا يعرفون (لا) وإن ظلم وإن ظلم وإن ظلم، ومن كانت هذه حاله انقلب على عقبيه لا يلوى على شيء، إذا نزل عن ظهورهم ثم تأكدوا أن دابة الأرض أكلت منسأته هربوا، ولكن سرعان ما يحنونها لمن أعده (الحرامية) لاعتلائها من جديد... وبذا كانوا لبعضهم الداء والدواء... إذ كلما جاء فريق لعن أخاه، ونقم عليه، ورأى أن لو ذاد عنه لأغرقه، فتسابقوا في إغراق بعضهم البعض، كما تسابقوا في الاستقواء بيهود، وهذا شأن كل خوان استبدت به الشهوات فأخرجته عن حدود الوطن.
لقد رأينا كل ذلك في (أحمد قريع، وأوري) ورأيناك وقد ابتليت بهما جميعاً... واليوم سأقفز – عن السياق- إلى الأمام، بوعد أن أعود إليه إن أفسح الله لي في الأجل، إبراهام هاليفي رأس من رؤوس الطاغوت واللؤم والخسه، فيكفيني أن أقول: هو رئيس الموساد السابق، وأحد صناع قرار يهود وقرارات العواصم العربية، كما وصفته لنا يديعوت أحرونوت ليبشر بأن مواجهة تلوح في الأفق بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس... وهذا بعد أشهر من أحداث غزة، لقد أصبحت شغلهم الشاغل 'فلقد وصلت إلى مستوى عدو كبير للإدارة في واشنطن..' سبحان الله... إن (واشنطن تبذل جهوداً مضاعفة كي تهزمك.. حسب هاليفى.. وعلى يد من يا أبا العبد؟؟ قد يستغرب غيرك.. على يد قوات فلسطينية إسرائيلية عربية... وليس الأمر جديداً، فإن خبر (قوات فلسطينية تتدرب بأعداد كبيرة ومتزايدة على الأراضي الأردنية) ليوم فصل رأسك عن شعبك، هذا لم يعد سراً، ومن على شاشات الكيان رأى العالم قادة من الجيش الصهيوني مع إخوانهم من السلطة، وعلى مائدة إفطار رمضانية (!!) كالتي جمعت العقرب السوداء مع عباس وقد أصدرت له (أوردر) باجتثاث أصولك خلال أسبوعين، وبعد توسلات ورجاء وافقت على أسبوعين آخرين حانقة على ذلك الإفطار اللعين الذي أرجا القضاء عليك (!!) وها نحن على مائدة أخرى، وكأن رمضان أمسى في عهد الطواشي شهر أبي جهل، الذي أبى إلا أن يعسكر في بدر، ويذبح الجزر ويشرب الأنخاب وتعزف فيه المعازف، وتغني وترقص القيان!! جلس القادة (!!) (ليرسموا المسار المخطط له للقضاء عليك، سواء في الضفة الغربية أم في قطاع غزة) والأمر ليس سراً، وكما قلت بثته التلفزة الصهيونية، بكاميرات صهيونية، وصحافيين صهاينة، يركبون جيبات صهيو- فلسطينية، يتجولون في أرضنا، يقبضون على أبناء شعبنا، يضربونهم، يعذبونهم، يحققون معهم، يسألونهم عنك، أين تنام، وأين تقيم، وماذا تصنع، يحاولون فتح أدمغتهم ليستكشفوا فيم تفكر، وشق صدورهم ليروا قلوبهم، ليتعرفوا على حبهم، ولمن، وبغضهم، ولمن، إيمانهم، وبمن، وكفرهم، وبمن، يقول أحد الصبيان (دوري أن أحمي إسرائيل من المخربين) هكذا!! وآخر (اقبض عليه ولو كان أبي) هكذا أيضاً!! وهدف النشر واضح، تعميق الشرخ وزيادة الاحتقان، فمن فعل ذلك يمسي بغيضاً محتقراً عميلاً في نظر شعبه، وأما هو فيمسى حاقداً لئيماً جباناً لا يتردد في قتلك، وقتل كل من يعترض طريقه ولو بكلمة، ووقع الأغبياء في الفخ، والمصيبة أن جنرالاً فلسطينياً يقود (هؤلاء) ويجلس مع (أولئك) ويتناول إفطاراً (رمضانياً!!) معهم، وعباس يسمع ويرى!! فما معنى العمالة إذن؟ ما معنى السقوط إذن؟ ما معنى الجاسوسية إذن؟ وإذا تحددت المعاني، فأين أنت منها في نظر فتح وأشياعها وكوادرها وتاريخها؟ ألا يلزم ذلك من إعادة قراءة للتاريخ والجغرافيا والسياسة والأخلاق؟ سؤال موجه لكل شبل فتحاوي... جنرال فلسطيني واسمه ذياب العلي، وصورته تملأ الشاشات، يأخذ هاليفى على نفسه العهد بأن تكون له الغلبة عليك، فلا بد من مساعدته وتقويته وإعداد جنده (فكل من له عينان في رأسه يعرف أن نجاح السلطة الفلسطينية في مواجهة حماس منوط بهذه المساعدة، أو تلك من جانب (إسرائيل) وحجم المساعدة، ونوعها، ومدى الدور المباشر، أو غير المباشر لإسرائيل، ستكون نتيجة لمدى نجاح الوحدات الفلسطينية على الأرض) حسب هاليفى الذي يعقد الأمل على هذه القوات وتلك المساعدة (في أن تقضي على حركة حماس وتعود لتسيطر على غزة) ماذا قال العلي؟ للحق فإن الرجل كان موضوعياً مع نفسه فقد قال أربع جمل:
الأولى، إن إعادة توحيد غزة مع الضفة قد يحتاج إلى قوة مسلحة، ثم كذب – في نظر هاليفى- عندما قال (إن هذا الخيار لم تتم مناقشته مع إسرائيل حتى الآن) فقد تمت، وشربت عليها الأنخاب يا ذياب.
الثانية، إنه لا يملك المعدات والتجهيزات، وهذا صحيح فهي في الطريق ومن جهات ثلاث.. وأعانك الله يا أبا العبد.
الثالثة، إن (إسرائيل) تبالغ في قوة حماس في الضفة، فإذا انسحبت (إسرائيل) من مدن الضفة فإن سيطرة العلي عليها مؤكدة، ولن تقوم لحماس فيها قائمة، وهذه غباوة الغارق في الشهوات، غير العليم بأخلاق الأحرار، الذين حطموا قيودهم لو بعظامهم، وكان الأحرى أن ينظر ماذا فعل رقيق مكة بطغاتها، ولكن من يفطر على جرعة خمر، وعناق هاليفى، لا يعرف موجبات الحرية.
الرابعة، أبدى العلي غضبه من رفض (إسرائيل) لطلبات التسليح، وتحريك القوات في الضفة الغربية موضحاً (هناك تعاون مع (إسرائيل)، ومنعنا العديد من العمليات ضدها في الفترة الأخيرة)، صح، وبامتياز، حقيقة كانت لديه الوقاحة الكاملة في أن يمزق (ورقة التوت) ليظهر أنه جاسوس حقير، وكذا كل جاسوس، وكم رأينا منهم وقرأنا عنهم، ولكنهم لم يتذرعوا بحماية الحلم، وفداءً للوطن، بل كانوا يعلنون ويفصحون أنهم قد سقطوا، والعار يجللهم، ولكن ذياب العلي وقائده (عباس) ومستشاره للأمن القومي يريدون غير ذلك، فالوطن يستحق كل شيء حتى من التجرد من أبسط معاني الشرف.
أتوقف، لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) بمشيئة الله،،،


