الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 06:11 م

مقالات وآراء

السيد الرئيس أعانك الله (42)

حجم الخط

د. عطالله أبو السبح
   
   

ترك (عباس) غزة، ولا أمل في رجوعه!! ولم تجد محاولاتك للتواصل معه، في الوقت الذي تضيق أجهزته على أصحابك في الضفة، فلا يكاد (×××) يستقر في بيته حتى يعود إلى السجن ومن بقي من وزراء فلا يكادون يصلون إلى مكاتبهم، وإن وصلوا تمرد عليهم الموظفون، كم عاني ناصر الشاعر رغم اعتداله (حسب تصنيفهم) وعقلانيته (حسب نظرتهم) وكم عانى (جواد بولص) حتى ليصل الأمر إلى تهديده بالقتل، وقد اقتحم منزله ثلاثة عشر شيطاناً رجيماً: روّعوا صغاره وأباه الشيخ الكبير، وجواد واحد من ركائز الوحدة الوطنية والتسامح فهو مسيحي نذر نفسه لخدمة  وطنه تحت قيادة حماس، فالوطن لكل فلسطيني، هذا ما رأته الدنيا من حماس، نظرية ارتقت حتى كانت مبدأًً وتطبيقاً، ولم يحتمل (عباس) ذلك وقد ضاق ذرعاً بحسام الطويل المسيحي أيضاً، والذي ارتضاه الشعب نائباً عنهم بعد أن وثق به، لثقة حماس به، وكم عانت مريم صالح من إحدى محاسيب عباس فقد تسلطت عليها، وتمردت، وحرضت وأساءت للمرأة باسم المرأة، والمقصود بكل ذلك هو أنت... وتصبرت.. واحتسبت، فاضت روح القائد القسامي محمد أبو كرش، بينما يجري التوقيع على (اتفاق مكة) ولم تقم الدنيا ولم تقعدها، رغم فداحة المصاب، وسوء الطالع، واخترق نصل السكين سويداء قلبك، وكظمت رغم الألم (الزلزال)، وتنصلوا من الجريمة، فأحد (الدغامشة) فعلها، وآل دغمش قد استعصوا على عرفات، وعلى عباس، وعلى القانون والقضاء، إذن، فلتواجه حماس عائلة لديها من السلاح والمغامرين ما ليس لجهاز (قوي) من أجهزة عرفات أو عباس، هو مكر الليل يا أبا العبد، لقد فهمت ذلك، وفوَّتَّ الهدف، أرادوك أن تعود بلا وفاق أو اتفاق، ولكنك وافقت واتفقت، أرادوك أن تقول لا.. ولكن مثلك لا يقول لها لا، فقد علمتك (الحديبية) أن تمضي، فمضيت، والحسرة تعتصر قلبك على (محمد أبو كرش) ولسان حالك يقول: علّها تكون آخر الحسرات، وليتها كانت كذلك، عميت عيونهم أن يروا الحقيقة على ما هي، فلم يتوقفوا عن التدبير والإعداد والاستعداد ليوم لا يرونك فيه على رأس الأمر، فقعدوا لك كل مرصد، حركاتك، سكناتك، يتسمعون لهمساتك، يجمعون المعلومة على المعلومة، صادقة أو غير صادقة، وكوندا تسخو بعشرات الملايين، فضلاً عن السيارات المصفحة، والبنادق، والرصاص، وإذا ما ساءلت لم تجد من يجيب، وإذا اعترضت زرعوا في أسماع الدنيا الأشواك، وعصبوا أعين الشمس، وإذا أكدت حقك في معرفة الداخلين وما يدخل، والخارجين وما يخرج، أنكروا عليك ذلك، حتى كان يوم، وضعت يدك فيه على أسلحة تأتي لهم عبر المعابر ومصفحات، وكان من حقك أن تأخذها – فأنت المسئول- فأخذتها، كذبوك رغم صدقك، وخوّنوك رغم أمانتك، وجرموك رغم براءتك، فلقد سرقت خياماً وملابس جند وأحذية، ليس إلا!! ومع الأيام تبين للجمادات صدق روايتك... إنهم يعدون لحرب، وكل القبائل من حولك تنتظرها لتنظر ماذا تفعل، وماذا هم بك فاعلون؟ ولسوء تدبيرهم نسوا أن السلاح بالرجل، وليس الرجل بالسلاح، نسوا أن إرادة الموت تهزم إرادة الحياة، فالأولى تأتي بالثانية، والثانية تذهب بذهاب الأولى، هيجوا ثورة الاتصالات من حولك، ليكشفوا كل شيء حولك وما لك.. حتى مستودعات أسرارك، والتي تحوطها بأرواحك حذراً من الموساد أو الشاباك، بدا الأمر خطيراً، يا أبا العبد، حتى لكأن رحيلك بات وشيكاً، أمام ناظريهم.. وقد رافق ذلك قرارات رعناء، فقد مست الوطن في كيانه وعقله، فقد أمر المراهقون الأطباء بخلع معاطفهم البيضاء، وإلقاء مباضعهم في بطون المرضى، وترك السماعات حيثما عانقت عقارب الساعة الحادية عشرة، حتى وإن أفضى ذلك إلى موت المريض، ولا مكان للنظر، طفلاً كان أو شيخاً، امرأة أو رجلاً، عجوزاً أو صبية، لم تعد لهذه عيون ترى الألم، ولا تسمع الاستغاثة، ولا تستجيب لنداء ضمير، أو واجب... هكذا أرادوك.. ولشد ما يبعث الأسى والحزن أن استجاب كثير من الأطباء، وقد نسوا ما ذكروا به... فالطب لا يعرف لغة ولا جنساً ولا إقليماً، ولا يميز بين حبيب وبغيض.. إنه مهنة الإنسانية، إلا بأمر عباس، فلتتوقف سيارات الإسعاف، ولتتجمد قطرات الدواء، فلا تصل إلى المكلومين، ولا مكان لمولود جديد، فقد امتنع الطبيب عن استقباله، فمنهم من فاضت روحه قبل أن يصرخ صرخة الحياة، ومنهم من صارع الموت، وبإرادة الحق قد انتصر، ومن الأمهات من غرقت في بحر النزيف، ومنهن من تكفلت لها المشيئة بالبقاء... لم يتصور هذا الكون أن فيه مثل هذا الكائن... وأما عقل الوطن، فأصابه قرار النقيب في مقتل، امتنع به المدرسون عن التدريس، رغم أن نار القرار ستمس أكبادهم، فليس كل تلميذ لأب حمساوي، وليس كل أب حمساوي أباً لحمساوي، قد تضرر مستقبل الوطن، كارثة الجهل حلت بعد أن استحلها نقيب المعلمين، الذي لا يُعقل أن يأتمر بغير أمر عباس، ودخل في معاجمنا مصطلح (الاستنكاف) ليصبح علماً على الطبيب والمعلم، ومن يلزم لأداء عملهما من مساعدين وفنيين، وحُرّاس.. وظن الواهمون أن ورقتك قد سقطت.. فهل سقطت؟؟ كل المؤشرات تشير إلى حرب ولكن بين أبناء شعبك، قائمة لا محالة، والحرب - يا أبا العبد-  مهلكة، لكم تجنبتها، ولكم حذرت منها، وناديت بأعلى صوتك، ولكنهم صموا وعموا، وما الحرب الشاملة إلا محصلة معارك صغيرة أو شجارات صغيرة أو اختطافات أو اغتيالات هنا وهنا وهنا وهناك....

سأستأنف الحديث في الغد، إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.