الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:41 ص

مقالات وآراء

اغتيال حماس ‏...

حجم الخط


ما يحدث في فلسطين الآن هو استمرار موجه ومخطط، منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس بالأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني، الهدف منه القضاء على الفوز الذي حققته الحركة، وربما القضاء على الحركة، ولا نبالغ إذا قلنا إن الهدف هو اغتيال حركة حماس: القيادات والكوادر والرصيد الشعبي. والأزمة لا تتعلق بمشكلات محددة المطلوب حلها، فهي لا تدور حول التوافق الوطني؛ لأنه تحقق في وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باسم وثيقة الأسرى، دون أي نتائج. والأزمة لا تتعلق بالأموال أو فك الحصار الخارجي؛ لأن حركة حماس استطاعت من خلال جهود الحركة والحكومة جمع أموال، ولكنها لم تستطع إدخال جزء كبير منها، بسبب الحصار على البنوك، ثم منع دخول الأموال السائلة من معبر رفح. والأزمة لا تتعلق أيضا بالمرونة السياسية، فحركة حماس قدمت مساحة من المرونة تلام عليها من حركات المقاومة الأخرى، عندما أعلنت احترامها للاتفاقيات الموقعة. والأزمة لا تدور حول أهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية، وعدم انفراد حماس بتشكيل الحكومة؛ لأن الحركة بعد فوزها بالانتخابات طلبت من القوى الأخرى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهذه القوى خاصة حركة فتح رفضت ذلك، ثم بعد اتفاق مكة تم تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولكن شيئا لم يتغير.

الأزمة في الواقع تدور حول حركة حماس نفسها، بل وتدور في الواقع حول مشروع الحركة، مشروع المقاومة والممانعة، ومشروع النهوض. المشكلة هنا أن فوز حركة حماس في الانتخابات كان يعني بالضرورة فوزا لمشروعها المقاوم، وتلك هي المشكلة التي تواجهها كل القوى المعارضة لمشروع المقاومة من قيادات حركة فتح للأنظمة العربية، وحتى الدول الغربية والإدارة الأمريكية، وصولا إلى حكومة الكيان الصهيوني. فكل هذه الأطراف لا تريد تحقيق أي فوز لمشروع المقاومة، سواء على المستوى العسكري، كما حدث في العدوان 'الإسرائيلي' على لبنان، حيث حقق حزب الله نصرا استراتيجيا، أو على المستوى السياسي وعن طريق الانتخابات، كما حدث مع حركة حماس.

فالوقائع على الأرض تؤكد أن المقاومة الفلسطينية حققت انجازات مهمة على أرض الواقع، سواء من خلال الجناح العسكري لحركة حماس أو من الجهاد الإسلامي وغيرها من فصائل المقاومة، وهو ما أدى للانسحاب 'الإسرائيلي' من قطاع غزة. وحقائق الواقع أيضا تقول إن الانتفاضة الثانية حققت إنجازات على أرض الواقع، عندما هزمت نظرية الأمن 'الإسرائيلي'. ثم جاءت الانتخابات التشريعية في يناير 2006، لتضيف لرصيد المقاومة نصرا آخر، وهو انتصار سياسي بامتياز. ولكن هذا الانتصار كان في الواقع ذا أثر كبير على كل القوى المعادية لمشروع المقاومة. فقوى الاستسلام الفلسطيني سيطرت منذ اتفاق أوسلو على الساحة السياسية الرسمية الفلسطينية، وعندما فازت حركة حماس دخلت على هذه الساحة، لتجعل لمشروع المقاومة مكانا راسخا على الساحة السياسية. وهي نفس المشكلة الموجودة في لبنان، بسبب الدور السياسي لحزب الله، والذي يجعل لمشروع المقاومة والذي يقوده حزب الله في لبنان، مكانا ودورا مؤثرا على الساحة السياسية. كل هذا يؤدي إلى بروز حركات وتيارات مشروع المقاومة سياسيا، مما يعني أن حركات الممانعة العربية والإسلامية في كل أرجاء العالم العربي، سيكون لها موضع في الساحة السياسية، يمهد لدخولها إلى النظام الرسمي العربي، وهو ما يعني تقلص الوجود السياسي للأنظمة التي تتبنى مشروع الاستسلام. تلك الصورة في مجملها، تجعلنا بصدد انقلاب في السياسة العربية، تقوده العديد من الحركات في مختلف البلاد العربية. وليست النتائج التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب المصري ببعيدة، بل كانت ضمن حلقات ومؤشرات انقلاب الحالة السياسية الرسمية. هنا الأمر تجاوز حدود النصر الذي يمكن أن تحققه حركة من حركات المقاومة في أي معركة مع العدو، ليصل إلى مرحلة تقليص نفوذ النظام السياسي العربي المتحالف مع الغرب، مما يؤدي إلى تطوير النجاحات العسكرية إلى نجاحات سياسية، وبالتالي تغيير النظام السياسي العربي بإرادة شعبية. هكذا كان نجاح حركة حماس، وحصولها على الأغلبية، لتكون أول حكومة تشكلها حركة تنتمي للمشروع الإسلامي المقاوم، وتنتمي لحركة الإخوان المسلمين، بمثابة شرخ في جدار النظام السياسي العربي، رغم أنها حكومة تحت الاحتلال.

علينا إذن فهم الموقف الحالي على هذا النحو، فنحن بصدد معركة لكسر هيمنة نخب الاستسلام العربية على النظام السياسي الحاكم في البلاد العربية. ولن تهدأ القوى المعادية لمشروع المقاومة، إلا إذا عاقبت حركة حماس باغتيالها إما معنويا أو ماديا. فالمطلوب الأول من الحركة، هو التنازل عن كل ثوابتها إذا أرادت البقاء في الحكم، وهو اغتيال معنوي شامل للحركة، يجعلها في النهاية معادية لمشروع المقاومة الذي قامت على أساسه، ويضمها إلى النخبة العربية الحاكمة، نخبة الاستسلام. وكأن الرسالة لحركة حماس تقول: من يريد السلطة عليه أن يتبع منهج نخب الاستسلام، فلا مكان لمشروع المقاومة والنهضة في الحكم. والبديل الثاني المتاح لحركة حماس، هو أن تترك الحكم، بعد أن انكشف مستويات عديدة من قياداتها، وبهذا تتعرض القيادات التي شاركت في الحكم، والقيادات التي قادت التنظيم بعدها، لعملية اغتيال منظم للقضاء على القدرات التنظيمية للحركة، وهو اغتيال مادي بعيد الأثر. وتلك هي الأزمة، فحركة حماس مخيرة بين اغتيال معنوي بالتنازل عن ثوابتها، وهي لن تفعل ذلك، وبين التعرض لضرب تنظيمها وقياداتها، وهو ثمن تدفعه دائما. فماذا تفعل حركة حماس، وكل وسائل الضغط تمارس في حقها، ومنها التهديد الفعلي المستمر بإشعال حرب أهلية وجر حماس لها؟