بقلم: د. عطالله أبو السبح
لاحت الفرصة ليهود ليدقوا المزيد من الأسافين في الجسد الفلسطيني ، بعد أن نجحوا في دق بعض المسامير الصدئة في ذلك الجسد ، فلقد أسقطوا عددا من الصغار والتافهين والباحثين عن اللذة المحرمة في مستنقع العمالة لهم، منذ أن ابتلي وطننا باحتلالهم البغيض ، بقدر حقارة شأنهم أحدثوا بعض التشوهات في هذا الجسد، بثورا هنا ، وخراجات هناك ، ولكن سرعان ما كان يتعافى منهم باستئصالهم حينا، وبتأهيلهم - بإعادتهم إلى الرشاد - حينا آخر، ولكن لم يحدث قط أن احترب الشعب الفلسطيني في شطري الوطن ، ولقد تجلى ذلك في الانتفاضة الأولى، التي كانت وسام فخار على جبين هذا الوطن ، نعم كانت الفصائل تختلف حتى في مناشطها وفي أدواتها وفي رؤاها وفي خطابها السياسي ، وكنت وصحبك دائما صمام أمان, إذ لم تسمحوا أن تصل حدة الخلاف إلى درجة الاشتعال، إلى أن حلت بديارنا رياح مؤتمر مدريد السموم ، فخرج الشارع الفلسطيني ما بين مؤيد ومعارض ، وكان المعارضون هم الذين يعلمون حقيقة الخبث اليهودي ، وأبعاد المشروع الصهيوني ، قرأوا جيدا خطاب شامير في ذلك المؤتمر، ورأوا الصلف اليهودي مجسدا برفضه التعامل مع ما يسمى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، مع العلم أن – الأل - في كلمة (الشعب) تفيد الاستغراق ، فنجح الخبث اليهودي أن يسقط هذا التمثيل ، ونجح بعد أن رضي (الممثل ) ألا يقوم بدوره ، فتمادى ذلك الخبيث في صلفه، فلم يقبل بفلسطيني أن يتحدث باسم فلسطين على وجه الاستقلال ، فرضي (الممثل ) بذلك أيضا ، فدخل المناضل (حيدر عبد الشافي ) والمناضل (فيصل الحسيني ) والمناضلة (حنان عشراوي ) تحت مظلة (الحسين) وهذا - في السياسة والتاريخ - له دلالته ؛ إذ قبل هذا اللقاء بواحد وعشرين عاما, عجنت مجنزرات الحسين عشرات الآلاف من لحوم الشعب الفلسطيني ومنتسبي (الممثل ) بطين عمان وأخواتها، وسمعنا أيامئذ لسان (الممثل ) ما لا تنساه الذاكرة من مفردات أبسطها (الخيانة) .
كان يوم مدريد يوم شؤم في تاريخ الثورة الفلسطينية ، كان خنجرا قد دُق في ظهر الانتفاضة، إذ خرج المؤيدون له من منتسبي نادي (الممثل ) يحملون أغصان الزيتون مرددين (شالوم ) وهم يندفعون - وقد أسقطوا الحجارة من أياديهم وداسوها بأقدامهم - نحو جنود الإحتلال، الذين يمعنون قتلا واختطافا وإذلالا واعتقالا فينا (جميعا) ، حتى ليصل الأمر ببعض الجند أن يعصب أعين من اعتقل من حملة الأغصان ويكبل أياديهم ، ويلقي بهم بين كراسي (الباور) ليكونوا مداسا لبصاطيرهم، مما أثار الحنق والغضب في نفوس الجميع ، وأمعن بعض المؤيدين في رعونتهم فكسروا أغصان الزيتون ، واقتلعوا بعض أشجاره ، وقابلوا الإذلال بمزيد من الهتاف (شالوم )فيضحك اليهودي نابحا (لو شالوم ) ، وكانوا سرعان ما يلتفتون إلى الرافضين ( أنت وصحبك ) بتحد وغرور ، وبألفاظ أقلها الخيانة والجاسوسية ، بل تركوا اللسان وفتحوا أفواه البنادق ، ولكن وبوعي كامل وتقدير للمسئولية ، وتفويت لذلك المخطط الصهيوني الجهنمي ، الذي يراد منه إحداث حالة من الاحتراب بين أبناء هذا الشعب الواحد ، تجمل الرافضون بالصبر، وصبروا على ما هو أمر من الصبر ، وإذا أرهفت السمع ، وقد لا يحتاج الأمر لذلك ، لسمعت قهقهات شامير الخسيسة ، وتنهداته حسرة أن فاتت الفرصة ، وهو الذي نجح في إشعال نارها في عمان وفي بيروت ، حربا مهلكة ضروس ، احتربت فيها البنادق الفلسطينية بعضها ببعض أحيانا، وبالنظام الحاكم حينا آخر ، وأكاد أجزم بأن الدم الفلسطيني الذي أريق فيهما كان أضعافا مما أريق على يد يهود ، وتمضي الأيام يا صاحبي ، وتثقب أوسلو قلب مدريد ، ويقف -حيدر عبد الشافي - مذهولا محسورا ، فلقد كان يجلس بدلا عنه في زاوية ما أحمد قريع بأمر من عرفات؛ كتفا إلى كتف، وكأسا إلى كأس ، ولسانا إلى لسان مع (أوري سفير) رسول بيرس – رابين الأمين ، ليدخل بعض أهل الخارج بيت الطاعة الصهيوني ، وعلى صهوات أوسلو، وما هي إلا أيام ، حتى زجت أوسلو بك وصحبك أقبيتها ، حتى ليصل الأمر في أيامنا أن يبشر الشاب أمه إذا ما اعتقله صهيوني بقوله : لا تجزعي يا أم فإنني؛ عند يهود !!! وهذا مضحك مبكي !! أليس كذلك ؟؟! وتمضي أيام أخر ، وقد رضي (الممثل ) أن ينبذ الإرهاب ، والإرهاب هو منهجك ، ويلاحق الإرهابيين ، الذين هم أنت وصحبك ، وبذا بدأ عهد دوران طاحون الشياطين ، اعتقالات ، تصفيات ، عذاب ، مصادرة ، هوان وإذلال ، محاربة في لقمة العيش ، حصار ، إقامات جبرية ، حتى على الشيخ أحمد ياسين ، وعبد العزيز الرنتيسي ، تكميم أفواه ... لا شك أن عهد أوسلو كان من أسوأ العهود ، وأشأمها على وحدة الشعب الفلسطيني ، وكان الباب الذي ولجت منه الفتنة ساحة هذا الشعب ، وكانت نذير تمزق وضياع ، والملتفت خلفه خطوة أو خطوتين يرى عجبا ، ولماذا يلتفت إلى الخلف ؟؟ فلينظر إلى ما يجري على أرض الضفة، حيث يحكم قادة أوسلو, ولن يكون الشهيد فادي حمادنة آخر روح تزهق على أيدي أشاوس التنسيق الأمني ، إذن كان المخطط بشعا أن يقودوا هذا الشعب للاحتراب ، وأن تجلجل ضحكات إسحق شامير في جنبات هذه الديار بدعوى وبغير دعوى ، فيا صاحبي ، رأسك مطلوب على كل المحاور ، قف وحاذر ، وامش الهوينى في دروب الصبر ، وانظر إلى أعلى النجوم فلن ترى إلا النجوم ، قف وحاذر، الأمر جد خطير ، كنت حصيفا بدخولك ميدان السياسة ، وكانوا يبدون حرصهم على ذلك ، ليأتوا بك إلى بيت الطاعة الصهيوني ، ولكنك قد خيبت آمالهم ،فوقفوا لك في كل طريق ، حتى اضطروك إلى الذهاب إلى البيت الحرام ، إلى مكة،،،،
وفي هذا سيكون لي حديث في يوم غد إن عشت (أنا) ليوم غد بمشيئة الله ، فإذن لي بالتوقف،،،،،


