بقلم: د. عطالله أبو السبح
حقق (الوقائي) انتصارات وأي انتصارات بضرب رأس (العرفاتية) على هذه الصورة الغاية في البشاعة والغاية في الوحشية، فانخلع لها قلب الأشاوس، وأخذوا يتحسسون رؤوسهم. وسؤال يلحّ على (دماغ) كل واحد فيهم: على من الدور؟ تنوعت أساليب التصفية والقتل، فطالت عقداء وعمداء في مذبحة صامتة، وأخرى صاخبة، ليس هناك من هو في منأى حتى وإن زين صدره (المفتوح) بجنزير من ذهب، ولبس خاتماً ضخماً من الذهب، وتحزقت عليه ملابسه الجينز (الأمريكي الأصلي) وإن ابتاعها من (ديزنجوف) الذائع الصيت في كل شيء!!
فإن فرق الموت تصل إليه، ولو كان دون الوصول إليه الموت الزؤام، وفعلاً قد وصلوا إلى طلال أبي زيد رجل المخابرات الأقوى، فبتروا أطرافه أو بعضاً منها بقنبلة زرعت بعناية ودقة في مصعده المحرم على الهواء المرور عليه إلا بعد تفتيشه وإخضاعه لإجراءات أمنية ولا (غوانتينامو) إذن، ذهب رئيس الاستخبارات موسى عرفات واليوم طلال أبو زيد رئيس المخابرات، فمن يجرؤ على أن يقول (بم)؟ من؟ كم فيك يا زمن الوقائي من عجائب!!! وكان السؤال: أبعد هذا (الإبعاد) إلى الأبدية من بعد؟ بلى، هو الانتشار، فكل الأجهزة لا بد أن تحركها أصابع الوقائي، وأدمغته، وسياساته، وبرامجه، كل أصحاب القرار لا بد أن يقرروا ما يقرره الوقائي، فأخذ رجاله يمشون في الأرض مرحاً، يخرقون الأرض، أو يبلغون الجبال طولاً، أو هكذا شُبه لهم، مقرهم (بنتاغون) الشرق، و(جيبات) بيضاء تحاكي في سرعتها الريح، يقودها هذا الشباب الذي يرى كل واحد في نفسه (رامبو) فكم داست أجساداً، وفصلت رؤوساً، فطارت مع الريح الذي يكاد يختنق لشدة ما يكابد في فمحاولاته اليائسة أن يلحق بسيارة هذا أو ذاك منهم، وإذا مرَّ موكب (الزعيم) توقف السير وتوارت الشمس وراء غباره، اعتلى عقداء الوقائي رؤوس الأجهزة، والوزارات، ووكلاء الوزارات والمدراء العامين، مدير عام كل مركز شرطة وقائي، حتى وإن كان لا يفك الخط ولا يميز بين (الحا) و(ذيل الحمار)، ويكفي أنه يقتل ثم يقتل ثم يقتل، شهد لشوقي، آسف العقيد شوقي أكثر من عَدل، أنه لا يحمل الرابعة الابتدائية!! وماذا في ذلك؟ أليس مناضلاً، ويحترف القتل، وينفذ أوامر الزعيم بلا سين ولا جيم؟ إذن، فليأخذ رتبة العقيد، وليكن مديراً لمركز شرطة رفح، وليعلم الناس، كل الناس، الانضباط، والنظام، والطاعة، وليضرب بالحذاء وجه من أساء (الأدب) كخطوة أولى، هذا إن كانت الإساءة لا تخرج صاحبها عن مِلَّة الوقائي..
في هذا الجو قد جرت – يا صاحبي- الانتخابات، وكان الناس كقيثارة إقبال:
قيثارتي ملئت بأنّات الجوى
لا بد للمكبوت من فيضان
زينت مسدسات (الجلوك) الأمريكية المرهفة خواصر النشامى، فعَربدوا، وتفتقت أذهانهم عن مكائد ومصائد دونها فعل الأباليس، وفيها وقع الأذكياء، (وما يقع إلا الشاطر) حتى ليصل الأمر بأحدهم أن صار حملاً ذلولاً، بعد أن ضُبط في هيئة فاضحة، يمارس فعلاً فاضحاً، وبتدبير فاضح، يمارس اللواطة في صبى في السابعة عشر، وهو مدير مستشفى من أكبر مستشفيات (غزة)، وبعدها يثبّت في مكانه، ليدخل من خلاله عشرات المندوبين كصناع قرار، يديرون المدير، كيفما يشاءون، وأينما يشاءون، يرفعون، ويضعون، يأمرون وينهون كما يشاءون، هكذا أراد الزعيم، وبهذا أمر، وما على الحمل ألا هز الذئب، وإلا ففيلم (الواقعة السوداء) ومنه آلاف النسخ تأخذ طريقها إلى أعين الناس وأنديتهم...
في هذا الجو المعربد بالموت والفساد والفجور والاغتيالات، في هذا الجو الفلسطيني المثخن بالجراح، في هذا الجو وعليه يتباكى من يتباكى، فيزفر (مجربون) زفرات حرَّى، تجعل من الجليد جمراً... في هذا الجو الذي لف القضية بالسواد، باضت مخططات يهود، وعششت وفقست، ولم يكن من المستهجن أن وزارة الأوقاف يديرها عقيد من الوقائي، ولا يكاد وزيرها صاحب الإطلالة الرمضانية الضحوك، إلا أن يقبل به مديراً عاماً لوزارته، فيجلس (عبد الكريم) سيداً مطاعاً، يقدم له وزيره فروض الطاعة والولاء، وإذا ما حَمَّلهُ فلا يحمله إلا أزكى التبريكات، وأحر السلامات لأبي فادي العظيم.. في هذا الجو المشحون بالحزن وبالألم وبالغضب، كانت الصرخة؛ الزلزال: لا للفساد ولا للمفسدين، ولا للقتلة، ولا لفرق الموت، ولا للأقلام المسمومة، ولا للاغتصاب والانتهاك، ولا لقُطّاع الطريق، ولا للذيلية وللحواة، ولا لامبراطورية الوقائي، ولا وألف لا لمن يسحق كرامة الإنسان، فإن الذي جرى لم يكن ليجري لو تكرست العدالة كحق واستحقاق ومنهج حياة، وما كان ليجري لو لم يكن صبية في ميعة الصبا وطراوة النعنع سادة، وعلى الجميع أن يكونوا لهم عبيداً.
ما كان ليجري لو قال القضاء قولته الفصل، ونفذ الشرطي ما قضى به القضاء، وإن طال رؤوساً وأصحاب مقامات، وصناع قرار، أو آمر ومأمور... ما كان ليجري لو لم يصب (المجلس التشريعي) الشلل بعد أن شاخ وهرم وترهل وصار من القواعد، بعد أن سدُّوا شرايينه وقطعوا لسانه واستحوذوا على حجته ودليله وبيانه... لم يكن ليجري لو أن النائب العام كان نائباً بحق، فلم يجعل من مكتبه ماخور دعارة، ومن شققه مواخير دعارة، وكانوا يعلمون أنه كذلك، بل وأكثر من ذلك، فأصروا أن يكون هو هو عتواً وفجوراً..
لم يكن لو لم.........
أرى أن أتوقف، كي أستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.


