الخميس 01 يناير 2026 الساعة 09:35 م

مقالات وآراء

السيد الرئيس أعانك الله(22)

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

لم يكن حريق الجامعة – وللحقيقة والتاريخ- هي أول بدعة في حياتها، ولم يكن حرس الرئيس هو أول من أجرم، فالجامعة حاضنة الفكرة، وراعيتها، هي الخصوبة التي فيها ترعرعت غراس وأينعت، وأضحت أشجاراً باسقة، ومن أغصانها كانت الحراب التي فلقت قلب الاحتلال، وبرى الشهداء سهامهم وأصابوا بها قلوب الغزاة في مقاتل، وفيها ابتسمت زهرات فلسطين للحياة، فكُنًّ الحرائر، وأشرقت شمسها على كل بيت فأضحى منارة.. الجامعة الإسلامية التي بدأت غضّة بريئة، كانت واحدة من عبقريات هذا الشعب. بعد أن سُدت أبواب الدنيا في وجه أبنائه، كيلا تسمح لأحد منهم ولا لبناته أن يرتقوا سلالم المجد وأسبابه، كعقاب جماعي لترويضه وتدجينه وكسر شوكته، ولكنه قال: لا بملء فيه، وكانت لاؤهُ (الجامعة).

 

ومن نافلة القول أن أقول لأبناء غزة: إن غزة لم يكن فيها من يحمل درجة الماجستير فضلاً عن الدكتوراة  أيامئذٍ ولكن (إذا صح العزم وضح السبيل) فجيء بحملة هذه الدرجات.

 

لست بصدد سرد تاريخ الجامعة (النشأة والسيرة) بقدر ما أنا فيه من تبرئة ساحة حرس الرئيس من بدعة (أول حريق لها) لا.. لا لم يكن حرس الرئيس كذلك، إن الجامعة منذ أن نشأت، كان الخلاف حول اختيار اسمها، فوقفوا لأصحاب الفكرة في الحلق: لماذا إسلامية.. وأخذوا يتصورون ويبتكرون ويفترضون العوائق والمصاعب والمصائب والكوارث، التي سيجرها هذا الاسم، ولكن كان، وثبت لهذا الوليد اسمه (الجامعة الإسلامية).

 

لتنضم إلى جامعتين كانتا كليتي مجتمع (بيرزيت والنجاح) واللتين أخذتا تنظران إلى أختهما نظرة المتحضر لابن البادية، والعصري إلى أهل القرون الوسطى، و(المدردح) إلى (القفل)، ولكن الجامعة تخطت.. وسارت في حقل من الألغام، لم يكن الاحتلال – في الظاهر- هو من زرعها..

 

وكانت اللعبة الديمقراطية التي يُشهرها– خنجراً- من أراد بالجامعة كيداً، وما أقساها من لعبة، وصدق زعيم عربي: (الديمقراطية لها أنياب ومخالب)، فكم أسالت أنيابها من شرايين الجامعة من دماء، وكم (خربشت) مخالبها وجه الجامعة الطفولي البريء. وصل إلى درجة قتل إسماعيل الخطيب الفلسطيني جداً، وحتى النخاع، الدكتور جداً وحتى النخاع الأب جداً؛ لأطفال كبيرهم في العاشرة (أيامئذٍ إن لم تخني الذاكرة) إذ فجروا رأسه من نقطة الصفر، بينما هو يحمل بين يديه صغيره، ليضعه في سيارته مع إخوته الصغار، وعندما وقع القتلة في أيدي الاحتلال، أقروا بالفعل، وبمن أمر، وأقر، ومن ضغط على الزناد، وتوجهت الأصابع العشرة بالإدانة لسفيه القوم.

 

ثم كان شراء ذمة رئيس الجامعة، الذي رفع شعاراً، وتبناه؛ عقيدة ومنهج حياة (لكل رجل في هذه الجامعة ثمن) ولمن هذا الكلام؟؟ لموظفي الجامعة من أكاديميين وإداريين وأذنة، منهم من يقف على حدود الوطن وثغوره، وقد كان لسياسته الخرقاء حريق وحريق وحريق، كادت (مُرات) تمزيق الجسم الطلابي بحراب الإمعية والأهواء غير المسئولة، ولكن الجامعة اجتازت بعد أن عرفت الجرثومة التي أصابت جسدها، وعرفت الداء فكان الدواء.. فكان أن ذهب النخّاس، ليقود المسيرة من لا يعرف النخاسة ولا منزلة عنده للنخاسين، فاستقبلوه بالوعيد، والقبضات و(القبضايات)، وأحرن النخاس عن الخروج طواعية، حتى أُخرج منها، وسارت الجامعة، ولم يتوقف الكيد لها، فرموا بيت رئيسها (بالقنابل) ولولا أن الله سلم لكانت مذبحة، ولسكن محمد صقر قبراً إلى جوار قبر إسماعيل الخطيب، ووقف الخلق في بلبلة، واضطراب، ليقدم أبناء الفكرة أجسادهم حماية للفكرة.. وسارت الجامعة... ولكن ما إن أفاق الناس على الصمت، الذي أعقب دوي القنبلة حتى دوَّى صوت نشاز: العصيان، (فلا تدريس، ولا تعليم، ولا عمل) فاستنكف العشرات من العاملين (أكاديميين وإداريين).. فجيء بحملة الدرجات الأولى (لسانس، بكالوريوس) من أبناء الفكرة وحماتها من مدارسهم ومراكزهم، ليستأنفوا المسير، فوق أعبائهم والتزاماتهم... وسارت الجامعة ولم تتوقف... ولم يتوقف الكيد... فطرد محمد صقر بقرار من رئاسة أركان الجيش المقهور، حتى يدب السوس إلى عظام الجامعة فتتهاوى، ولكنها لم تتهاوَ. فحمل الراية رجال رجال، حتى كان الكيد القديم الجديد، قطع الراتب عن العاملين وتجويع ذراريهم!!! (ولا يفلح الساحر حيث أتى) وسارت الجامعة، وداست بأقدامها السوس والقوارض... وعمل أبناؤها على بنائها على الطوى، وكان يمر القمر والقمران والثلاثة والأربعة لا يتقاضون راتباً، رغم أنها حاضنة ومربية ومرشدة ومعدَّة لأبناء هذا الشعب وبناته، بغض النظر عن مذهب أو فصيل أو معتقد، مهما اختلفت تلك، فهم أبناء فلسطين وبناتها، فهي للكل الفلسطيني.. وأمام الإصرار، وما جلّل أمين الصندوق القومي (الذي اتضح أنه لم يكن أميناً) من خجل سارت الجامعة، ولم يتوقف الكيد.. الذي تفتق على أن ينشئوا إلى جوارها جامعة (ضرة) تدبيراً أن يكون للضرة كل شيء، وللإسلامية الفتات.. وفي ليلة ما لها قمر تحول الكثير من عاملي الجامعة من (أكاديميين وإداريين وأذنة) إلى (جارتها) علّ الوهن يصيب عظام الجامعة، فتتهاوى، ولكنها لم تتهاوَ، فقد خرجت أصلب عوداً، وأكثر إصراراً وإيماناً، فقام من بقى، وقد تمرسوا على التعامل مع الحرائق، بالعمل على إطفاء الحريق الجديد، وما هي إلا سنة أوضحاها حتى كانت الجامعة بشموخها، وطهارتها، ونقائها، هل تشمون ريحها بالله عليكم؟ ألا تجدون المسك والعنبر؟ولكن الكيد لم يتوقف فقام...

 

وهنا أجدني قد توقفت لعلي أعود للحديث يوم غدٍ إن عشت (أنا) لغدٍ بمشيئة الله.