بقلم: د. عطالله أبو السبح
لم يستطع الشرطي -الذي جاء وحيداً- أن يزحزح الناس أو يخفف الرخام... الذي أغرق أم الولد وأضاع استغاثاتها... لكمة أصابت وجه الطبيب.. يا مدسوس.. يا خائن... يا جاسوس.. آه يا ولدي.. استشهد الولد ليأخذ رقماً بين شهداء الحصار.. هكذا أرادوا وخططوا: فواجع.. حرمان.. قتل.. شروخ.. تجفيف مياه القلوب.. هكذا أرادوا.. تحميلك المسئولية..إسقاط هيبة القانون... تجاوز حدود التاريخ، الجغرافيا، التربيةف، لا احترام لشيء.. لا احترام لمؤسسة، الاستخفاف بالقيم، تهويل الهين، وتهوين المهول، تشويه الملامح، والمعتقدات، والمبادئ، عمُّ الولد يصل.. يبدو أنه من معارضيك.. تذرع بموت الولد، فأخذ ينعتك بالإجرام.. بالقتل.. هتف أحدهم: (شيعة.. شيعة.. قتلة.. قتلة) جرفت هتافاته عبارات نارية من العم، غاضبة من الانتخابات ونتائجها.. مترحماً على أيام دحلان.. ويرد على من اتهمه باللصوصية: حرامي يوفر للولد العلاج خير من أمين يحرمنا من كل شيء... ويرد على من برر لك أنك محاصر وليس بيدك، فقال: السياسة يا ناس مصالح. يأخذ الشاب الشهيد على دراعيه ويخرج به من وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأجساد والأنفاس والآراء والخطب والدموع.. تركت الممرضة (الكرتونة) فلم يعد لها حاجة. والطبيب الناشيء يلعق الإهانة، ويصر الشرطي على معرفة من وجه له اللكمة، فقال بحسرة ويأس: إيش في استطاعتك أن تعمل؟.. هكذا أرادوا وهكذا خططوا.. عاد موكب الشهيد الحزين.. امرأة تسند (أم الولد) التي لم يعد في مقدور ساقيها أن يحملاها... كل شيء يهتز في نظرها؛ الشجر، البيوت، المارّة، المبادئ، الشعارات، لا شيء ثابت، ولا شيء له قيمة، الكل مسئول عن موت ولدها، كل شيء مغلق، كل شيء قبيح، تذكرها صاحبتها (اذكري الله) تذكر الله بنواح، جفت دموعها، جف حبها، مات مع ولدها، تنقم على كل شيء، الصيادون يبحثون عن أي صيد في أي مستنقع، إنهم يريدون هدم كل شيء تبنيه أو وعدت ببنائه، أكيد أنك تتفق معي على أن دهاءً لم تعرفه أدبياتك ولا منهجك ولا ما تربيت أو ربيت عليه، كان يحاك لك، وفيكم سمّاعون لهم، أكيد أنه من المؤكد أنك لم تسلك هذا المسلك ولم تتعرف على وسائله، ومن المؤكد أنك طالما سمعت وقرأت (الغاية تبرر الوسيلة) ولكن لأول مرة ترى ذلك، وأنت الهدف، جعلوا منك مداناً وأنت البريء، القاتل وأنت المقتول، اللص وأنت الأمين، المفرط وأنت الحريص، السّادي وأنت السوي، المتطرف وأنت الوسطى... أو هكذا أرادوا وله خططوا.. وصل الشاب بالشهيد إلى بيته، عشرات.. مئات.. أطفال.. نساء.. رجال.. شيوخ.. حالهم كحال من كان في المشفى، ثم كان العراك.. من يتبنى الشهيد.. والهدف أنت، كل شهداء الحصار تتشابه أسماؤهم، وتتشابه مآلاتهم، وتتشابه مآسيهم، وما أرادوا من ضرب الحصار عليك، وما خططوا، هي ذات الأهداف، وهي ذات الوسائل، لا وقود، لا دواء، لا محلول، لا نظام، ألسنة تشتم وأخرى ترد، فترد الأولى ثم ترد الثانية، يموت الطفل، وتموت المعاني في قلوب، يموت الانتماء، يموت العقل، تموت الوشائج. من وكل جحر تطل أفاعي وحيات، ومن كل شق تخرج العقارب، وتكمن الحرارة في الشرايين وفي العيون وفي الأفواه، الدم يغلي في الشرايين، والعيون تقدح شرراً، والأفواه تنفث اللهب، وعباس يشحذ سيفه، وكعب بن الأشرف يهيّج العربان والعرب العاربة والمستعربة، يستعدى، يحرش، ويبكي على الحلم الفلسطيني، وعلى حل الدولتين، ويناشد بوش وكوندا والرباعية، ويسجل رقماً فلكياً في الفضاء، كمل لو كان الفضاء مسكنه، يلتقي بزعامات الدنيا، ودقي يا (مزيكة) والبساط الأحمر ممدود كنهر دم، ينبع من قلوب أسرى الحرية الأحد عشر ألفاً أو يزيد، ومن شرايين الأرض التي قطعتها سكاكين (البولدوزرات) حتى لا تعيق إنشاء المستوطنات، التي تأكل ما بقي من رأس كبير المفاوضين من إدراك بأن المفاوضات مع الكيان عبث في عبث في عبث، وأما مصبه ففي أوعية المشاريع التي يستثمرها الذين يغرقون في وهم وحدانية تمثيل المنكوبين من لاجئين ونازحين ومنهوبين ومحرومين ومحزونين ومخدوعين، وكذا للواعين والمرابطين والضاغطين على الزناد، والطفل الذي مات محروق الصدر، وصدر أمه الذي احترق لفقده، وقد عرفت قاتل ولدها، هو الذي فجر كيس المحلول بقنبلة حقده على ناخب صار يراه (غبياً) لا يعرف مصلحته، وعليه فقد أخرج أكثر من نصف شعبه من دائرة الوعي إلى دائرة اللاوعي، ومن (الجبارين) إلى أقزام، ومن مؤمنين متآخين إلى شيعة وقتلة ومجرمين، ومن أبطال إلى أنذال، ومن شرفاء إلى خونة، مات الولد، وأنت –يا صاحبي- المسئول عن قتله، فلماذا لم تستدع له (بن جوريون) طبيباً (وجولدا مئير) ممرضة، ولم تطعمه من الفطير المقدس، المعجون بدماء دير ياسين، ففيه الشفاء!! لماذا لم تقبِّل أعتابهم كي...
أراني مضطراً إلى التوقف، فأذن لي، فلقد التهب القلم بين أصابعي، لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) لغد بمشيئة الله.


