الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 09:09 ص

مقالات وآراء

حصنوها بالعدل

حجم الخط
 
بقلم: أحمد أبو رتيمة

 

يروى أن والي حمص أرسل إلى خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز يطلب منه أن يخصص جزءً من المال لترميم مدينته وتحصينها بسور يصد هجمات الأعداء عنها ،فرد عليه الخليفة الراشد بالقول:(أما بعد فحصنها بالعدل ونق طرقاتها من الظلم).

 

لم يكن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وهو يرد على واليه بهذا الجواب غافلاً عن قواعد البناء والتحصين،ولم يكن جاهلاً في الشئون السياسية كما زعم أحد العلمانيين وأنه لو كان في دولة ديمقراطية لكان موضع مساءلة برلمانية على هذا الجواب بحسب العلماني.

 

بل كان يضع يديه مباشرة على حقيقة اجتماعية خطيرة،وهي أن ما يحمي البلاد هم أهلها قبل الأسوار والحصون،ولن يفعلوا ذلك إلا إذا شعروا بأن خير هذه البلاد لهم وأنهم ينالون حقوقهم كاملةً، أما إذا شعروا بأن فئة محدودة هي المتنعمة بخيرات البلاد وأنهم مظلومون وحقوقهم مغتصبة، فليس بعيدًا أن يتقاعسوا عن الدفاع عنها،وحينها سيستغل العدو هذا الموقف، فيغير عليها، وهو آمن من غضبة الجبهة الداخلية،لذا قيل إن العدل هو أساس الملك.

 

وحين يقتصر اهتمام الحكام على تشديد الحراسات وتشييد الأحصنة والبنايات دون إقامة العدل في شعوبهم فإنهم يرهنون أمنهم وحياتهم لأول غفلة من طاقم الحراسة أو أول ثغرة يكتشفها المتربصون في الجدار المحيط بهم وحينها سينقض عليهم أصحاب المظالم والحقوق دون رحمة ليقتصوا منهم،وحتى إن لم يحدث هذا بسرعة فإن حياتهم ستتحول إلى جحيم من القلق والترقب والخوف من المجهول،أما حين يقيم الحاكم العدل بين الناس ويعطي كل ذي حق حقه ويفتح أبوابه لسماع شكاويهم ومظالمهم فإنه يطفئ نيراناً من الغل والكراهية والحقد ملتهبة في صدورهم ويحيلها برداً وسلاماً فيشيع الأمن المجتمعي الذي سينال الحاكم نصيبه الوافر منه وسيكسب قلوب الناس ومحبتهم وحتى لو ظل هناك من يفكر في المساس به بعد ذلك فسيكون معزولاً اجتماعياً وأخلاقياً.

 

وهذا المثال حققه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخلده التاريخ حين رآه وفد كسرى نائماً في ظل شجرة دون حراسات فقال أحدهم مقولته الشهيرة:(عدلت فأمنت فنمت).

 

والعدل ليست قضية ثانوية يخضع تحقيقها لحسابات سياسية ظرفية بل يجب إقامته في أي ظرف ومع أي إنسان ومهما كانت النتائج فهو الذي قامت عليه السموات والأرض ومن أسماء الله العدل ومن أجل إقامته بين الناس أرسل النبيين (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)،بل إن ابن القيم رحمه الله تعالى قد اعتبر العدل هو المقصد الأعلى للتشريع الإسلامي فقال:'حيثما يكون العدل فثم شرع الله'،

 

أما شيخ الإسلام ابن تيمية فنسب إليه قوله:إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة،ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة،ولا غرابة في ذلك فضرر الكفر عائد على الذات،أما الظلم فمفسدته متعدية على الآخرين.

 

والقرآن الكريم يرجع سبب هلاك الدول وخراب الديار على مدار التاريخ إلى الظلم فيقول عز وجل:(فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)،ويقول أيضاً:( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين).

 

والعدل ليس شعارات تزين بها الجدران أو خطباً رنانة يصدع بها من على المنابر،ولكنه منهج تطبيقي في مختلف جوانب الحياة،وهو في أبسط معانيه أن يعطى كل ذي حق حقه، فليس من العدل أن يقدم إنسان لقرابة أو معرفة أو انتماء حزبي،بل يكون المعيار هو الكفاءة والأمانة،فيقدم من تحققت فيه الشروط ولو كان عبداً حبشياً،ويؤخر من دون ذلك ولو كان ابن أمير المؤمنين،ولأننا نتحدث عن العدل فليس من العدل أن تترك مهمة إقامته لشخص واحد ولو كان في تقوى عمر بن الخطاب لأن الإنسان لا تؤمن فتنته خاصةً إذا وصل السلطة، وكما يقال:قليل من السلطة قليل من الفساد،والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة،وفي القرآن الكريم تأسيس لهذه القاعدة:(كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)،ولا يوجد أخوف على العدل من الاستفراد في الحكم،لذا فنحن بحاجة إلى 'مأسسة العدل'،أي تطبيقه من خلال مؤسسات شورية لا تسمح لأحد بالاستفراد مهما كانت سلطته.

 

والعدل مبدأ شامل لا يقبل التجزئة فلا يظلم إنسان حتى لو كان ظالماً وإنما ينال جزاءه بما يستحق دون مجاوزة للحد،فليس في الإسلام انتقام بأثر رجعي،وإن كان الحق له وجب أن يوفاه وإن كان كافراً وفي ذلك يقول الله تعالى:(ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا)فالعدل لا يخضع للأمزجة والأهواء، وفي القرآن الكريم مثال رائع يجسد هذا المبدأ حين سرق مسلم في المدينة واتهم يهودياً فصدق النبي صلى الله عليه وسلم المسلم،فنزل ما يقارب من العشر آيات من سورة النساء تدين المسلم وتبرئ اليهودي وتعاتب النبي على حكمه للمسلم ومن هذه الآيات قوله تعالى:( وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (112) )،وما قبلها وما بعدها،وهي صورة في غاية الروعة فيها دلالة بينة على إنسانية دين الإسلام واستعلائه على الحدود القومية والفئوية فهو يدين مسلم ويبرئ يهودياً في آيات تتلى إلى يوم القيامة.

 

وكما أنه لا يجوز أن يظلم صاحب حق ولو كان يهودياً،فكذلك لا يجوز أن يحابى أحد أو يتستر عليه لقرابة أو واسطة،فلا يقام العدل على عامة الناس ويحابى عليتهم وفي الحديث الشريف:(إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد،لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)،فالحق فوق الجميع،وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى ضرورة ألا تترك إقامة العدل لاستفراد شخص واحد حتى لا يضعف أو يطغى.

 

وإقامة العدل ليست محصورةً على حاكم البلاد،وإنما هي مسئولية الجميع كل حسب موقعه الاجتماعي،فليس من العدل أن ينتقد ظلم الحاكم من يظلم في مؤسسته أو فريقه أو حتى أسرته، فمثل هذا عنده قابلية للظلم لا يختلف في ذلك عن الحاكم إلا أن الحاكم قد مكن له وهذا لم يمكن له بعد:(وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها)،وفي الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يلي أمر عشرة إلا جاء يوم القيامة مغلولا يفكه عدله أو يوبقه جوره)،بل وحتى الإنسان العادي الذي لا يملك أي سلطة فإن هناك مستوى من العدل يستطيع أن يقيمه،وذلك بقول كلمة الحق وعدم السكوت حين يتهم برئ ظلماً وهو يملك أن يذب عنه الاتهام ،والبعد عن شهادة الزور،فهذا هو العدل في الشهادة الذي يستطيع أن يحققه،وبذلك يكون العدل مسئولية جماعية،فنقيم مجتمع العدل بأنفسنا قبل أن ندعو الله بأن يرزقنا حاكماً عادلاً.

 

إن العدل له ثماره العاجلة من الأمن والطمأنينة والمحبة والرضا بين الناس،ورضوان من الله أكبر،أما الظلم فله عواقبه الوخيمة فهو ينشر الكراهية والبغضاء بين الناس،ويتربص المظلوم بالظالم فيهتز الأمن المجتمعي وينتشر الخوف والقلق،وإذا دارت الأيام دورتها وزحف العدو الخارجي نحو البلاد لم يجد من يصده ولم يجد الحاكم من يقيه ويدافع عنه،وبذلك تضيع البلاد والعباد، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

 

abu-rtema@hotmail.com