الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 05:20 م

مقالات وآراء

فيلم عقل ..معجزة من لا شيء

حجم الخط
 
بقلم: وائل جروان

 

في بادئ الأمر، لم أكن من الذين يتشوقون كثيرا لرؤية الفيلم الروائي عماد عقل، مع أنني كنت أرقب انتهاء العمل فيه، حتى أرى المستوى الفني لهذا الفيلم وللمخرج ماجد جندية، ذلك أنه حسب الإمكانات المتوفرة لا يمكن أن ينجح عمل كهذا البتة، فحصار وقلة إمكانات و عدم توافر المعدات وندرة الكوادر الفنية التي تصل للتمثيل في مثل هذا العمل، كانت عثرات على الطريق النجاح، لكنني وجدت في نفسي رغبة جامحة، واندفاعا غريبا نحو مشاهدة الفيلم، بل وحضور عرضه الأول بعد أن تحدثت مع المخرج جندية، عندها لمستُ بين ثنايا كلماته وصوته ثقة بالعمل الذي أخرج، فقررت السعي لحضور هذا الفيلم، وحصلت على فرصة مشاهدة العرض الأول لهذا الفيلم.

 

قبل البدء بالعرض في قاعة المؤتمرات الكبرى بالجامعة الإسلامية يوم الجمعة الفائتة، شعر الجميع أن القائمين على الفيلم، ينتظرون أن يشاهد الحاضرون ما سهروا عليه ولمدة عامين، لكن كان هناك من هو أشد منهم لهفة لسماع تصفيق الحاضرين لِما سيعرض، فلم يجلس في مقعده المخصص له مرتاحا حتى بُدأ العرض، إنه صاحب القصة والسيناريو والحوار، الدكتور محمود الزهار ، وكأنه أب يقف على باب غرفة العمليات ينتظر بفارغ الصبر أن يولد طفله الجديد، وأن يخرج إلى الحياة ويتنسم عبير الدنيا و ضيّها.

 

بُدأ العرض .. ومنذ اللقطة الأولى للفيلم، شعرنا أن هناك من يأخذ بيدنا دون أدنى انتباه منا، كان يأخذنا سريعا إلى ما قبل ثلاثين عاما وأكثر، فقد صور المخرج جندية وضع المخيمات الفلسطينية قديما، بطريقة يُغبط عليها، شوارع ضيقة، مراكز لوكالة الغوث في كل مكان، حمامات عامة، قنوات صرف صحي صغيرة في منتصف شوارع المخيم ... إلخ ذلك من الحياة التي ربما عايشها بعضنا، ولمس تفاصيلها.

 

ومما أبقى المشاهدين في عقد السبعينات والثمانينات أيضا، الملابس التي كان يرتديها الممثلون، وهي تحاكي وتشبه إلى حد كبير تلك التي كان يرتديها أبناء شعبنا في تلك الفترة من الزمن، بل أكاد أجزم أن القائمين على هذا العمل قاموا بالبحث عنها وجمعها، لتكون لاعبا أساسيا في الإيحاء بالزمن الذي دارت فيه أحداث هذه القصة.

 

أما النقطة الأبرز في هذا العمل، والتي كانت عامل النجاح الأكبر _من وجهة نظري_ وهي دراما الفلم، فقد لعب المخرج بهذه الورقة بشيء من الذكاء، واستغلها لتكون عنصرا قويا في هذا الفلم، وهنا أود أن أؤكد أن الدراما استوحت نجاحها الأول من رمزية الشهيد البطل/ عماد عقل، ومن أحداث القصة الحقيقة، والتي حوكيت بدقة متناهية تدفع المشاهد إلى التصديق بما كان يدور، وكأنه الحقيقة بعينها.

نقطة ثانية في الدراما حيث لوحظ حبكُها المتقن في تسلسل الأحداث وتواليها، بل ولوحظ أيضا تغييبها لبعض الرموز قصداً، حتى تترك تساؤلات لدى المشاهد يود معرفتها واستكشافها، وهنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر، قصة خطف عماد عقل في بداية تجنيده من قبل ملثمين، وربطه وضربه، واستشهد الملثمون بعد تركهم لعماد مقيدا، فأنقسم المشاهدون على أنفسهم إلى قسمين قسم يؤكد أنهم عملاء أو مستعربون، وآخرون يرمون بالاعتقاد بأنهم يريدون تجنيد عماد، فيبدأ عماد بالبحث عن الحقيقة، ويبحث معه قلب وعقل المشاهد إلى أن يكتشف بأنه اختبار للتجنيد في صفوف حركة حماس.

أيضا من الأمور التي كانت محبوكة بالشكل الرائع قصة الشهيد البطل/ ماهر أبو سرور من الخليل، وكيفية قبوله التجنيد مع الاحتلال، ليرسخ لدى المشاهد أن هذا الشخص هو عميل، بل وهو الذي سيحاول _كما توقع المشاهدون_ أن يشارك في اغتيال عماد عقل، خصوصا أنه يُشاهد فجأة في أول مجموعة تجند في الخليل وتتلاقى مع عماد عقل، لكن سرعان ما تبدد هذا التأويل بعدما نجد أن ماهر، يذهب لقتل الضابط المجنِّد، في المكان الذي كان يلاقيه فيه في القدس المحتلة، بعد أن يكون أخذ الأمر خلف أعين المشاهد من عماد عقل لتنفيذ ذلك، وكم لاقى هذا في لحظته تصفيق الحاضرين.

 

ونقطة أخيرة فيما يخص الدراما، هي أنها كانت تروي القصة، بسرد سريع، فقد كانت الدراما تنقل المشاهد بين ثانيا السنين التي عاشها عماد عقل من دون أن يشعر، وبالسرعة التي تسمح برواية كل الأحداث التي مرت على الشهيد عماد عقل، لدرجة أنه تم خلال الفيلم عرضُ كل العمليات التي قام بها عماد وإخوانه المجاهدون، وتمثيلها تمثيلا محبوكا بل وفي أماكن ربما مشابهة كثيرا للأماكن التي دارت فيها تفاصيل هذه العمليات، فهذه السرعة في عرض القصة، أبعدت عن المشاهد لِما يقارب الساعتين ونصف الساعة كلَ ألوان الملل والرتابة، بل ووضعته في جو محفز يشتقاه فيه لما شاهد ولما سيشاهد.

 

إظهار الخوف والارتباك الإسرائيلي مع بدء عماد عقل في علمياته، كانت عنوانا لا يخفى على من شاهد هذا الفيلم، فمع كل عملية أو خطوة يخطوها المجاهدون، يَظهر التخبطُ أكثر فأكثر، تختلف الخطط والإجراءات لقطع الطريق على عماد، ولكن دون جدوى، وقد وُفّق القائمون إلى حد بعيد في إظهار هذا الضعف الصهيوني، لدرجة أن رابين يذهب ليلقى والد عماد عقل، ويعرض عليه كل ما يريد.

 

طبعا الحديث عن هذا الفيلم يطول ويطول لما وجدته أنا شخصيا من جماليات وروائع في هذا العمل الذي لم أشهد له مثيلا على الساحة الفلسطينية من قبل، أنا أتمنى أن لا يكون طفرة من نوعه وهذا ما لمسناه من همة القائمين على عمل المزيد، نريد أن يستمر هذا العمل وأن تُنتج قصص روائية أخرى، تنقل للعالم بأسره، أحداثا لأبطال حقيقيين، لا لشخوص مصطنعين، فهؤلاء الشخوص المصطنعون لا تجدونهم إلا في أعمال هوليوود الأمريكية، وبوليوود الهندية، ومن لف لفهم في تصنُع الأبطال، أما في أصداء الفلسطينية لا تُروى إلا القصص الحقيقية التي تجسد أبطالا خطوا للأمة دربها، وحقٌ على الأمة أن تعرفهم جيدا.

 

أنصح الجميع بالإقبال على هذا الفيلم ومشاهدته، و لن يندم أحد على ذلك، فما تقدم من حديث هو نقطة في بحر الإبداع الذي يحويه هذا العمل، وإنه بصدق لمعجزة كبيرة أن يخرج من غزة ومن مدينة أصداء الإعلامية صاحبة العمر القصير، أن يخرج هذا العمل في ظل قلة الإمكانات وقلة الخبرات لدى الممثلين، وقلة الموارد، والأهم من ذلك وأكبر الحصار الذي يرمي بأطنابه على كل شيء في قطاع غزة، لقد اجتمعت كل هذه العوامل التي تؤدي إلا إلى الفشل واليأس من النجاح، اجتمعت كالغمام فوق رؤوس العاملين، لكن إرادة النجاح لدى القائمين على هذا العمل، بددت هذا الغمام، وكأني بها كإرادة عماد عقل نفسه على مجابهة رابين وباراك، ولم تنجح كل إسرائيل في كفه عن طريق الجهاد والاستشهاد.