عظيمة تلك اللحظـات التي يرى فيها الإنسـان قطرات من دمـاء تسيل على أرضه من أجل العيش بعزة .. عظيمة تلك اللحظـات التي يستنشق فيها الإنسـان حريته وكرامته .. عظيمة تلك اللحظـات التي يشعر فيها شعب بأكمله قـادته ورجـاله ونسـائه وأطفـاله أوفيـاء لا يبدلون ولا يغيرون .. رجـال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
د. عزيز دويك .. أحسبه من أولئك الرجـال الذين لم يعطوا الدنية في دينهم , حملوا شعـار التغيير والإصلاح - يد تبني ويد تقـاوم- ومضوا غير آبهين بما يحيط بهم من الأشواك التي تعلق بثيابهم أو تعيق طريقهم , ولم تغرهم الدنيا وملذاتها وبريقها , فالجنة كما فهموا حفت بالمكـاره والصعـاب والنـار حفت بالشهوات والتسهيلات , هذه هي العقيدة التي رُبى عليها الدكتور عزيز و إخوانه المجـاهدين , لكنهم رغم ذلك واصلوا الطريق وصبروا , وثبتوا على الحق ولم يتزحزحوا قيد أنمله عن مبـادئهم , أو يهنوا أو يتراجعوا , وتمسكوا بحقوقهم في زمن المحـافظ فيه على دينه كالقابض على الجمر.
أفرج عن الدكتور عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني بعد ثلاثة أعوام من الاعتقال والظلم والمؤامرة التي تعرض لها وإخوانه , وهم الذين جيء بهم بطريقة شرعية ونزيهة وشفـافة بشهـادة الغرب والصهاينة , في محـاولة لتغييبهم عن المشهد الفلسطيني بعد علموا أن هذه الثلة المؤمنة لا تحمل معها إلا الصدق والأمانة , في زمن لا يُحترم فيه إلا القوي حيث الخيـانة وجهة نظر معتبرة.
أفرج عنه وكأنها بارقة أمل لشعب يحلم بالمصـالحة حلما بعد أن أتى الانقسام على كل شيء فمزقه , أفرج عنه واعتبرت خطوة نحو التقـارب والوحدة كونه شخصية تتمتع بالقبول لدى كل الطيف الفلسطيني حتى رئيس حركة فتح محمود عبـاس بنفسه تربطه به علاقة شخصية , لكن ذلك لم يشفع للدويك أمام قوم أضـاعوا الأمانة واتبعوا الشهوات , قوم استمرؤوا الكذب والخيـانة فانطبقت عليهم الآية الكريمة التي أظنها نزلت في أمثـالهم ' وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ' .. قوم غرّتهم الحـياة الدنيا وزينتها فاستمتعوا بها وارتموا في أحضـان عدوهم , وغدروا شعبهم وطعنوه من الخلف وتآمروا عليه ولم يعد لهم أي اعتبار , فهم واليهود سواء.
الغدرة الأولى .. أفرج عن الدكتور عزيز وكان يود أن يخـاطب شعبه من تحت قبة البرلمان التي أبعد عنها قسرا , لينقل لهم تحيـاته والأسرى جميعا بلا استثناء ليجد أبوابا مغلقة في وجهه من فئة تـافهة سخيفة أمرت الموظفين في المجلس بالانصراف , وإغلاق أبوابه في وجه رئيسه المنتخب , الذي لم نلحظ أو نرَ أي شخصية فلسطينية من سلطة رام الله في مقدمة المهنئين لاستقباله وهم الذين يتغنون بالوحدة آناء الليل وأطراف النهـار!! وهذا ربما من باب حسن الاستقبال والتكريم على طريقتهم الخـاصة التي دُربوا عليها من قبل الجنرال الأمريكي دايتوان !! ويا ليتهم اكتفوا بذلك بل عملوا على ملاحقة ومراقبة كل الوافدين المهنئين للدويك في بيته واعتقالهم وزجهم في السجون عدا عن اعتقال مرافقه ومدير مكتبه , إلا أن الدكتور عزيز دويك امتص ذلك الموقف الذي يعد دلالة واضحة أن هؤلاء القوم لا يهمهم مصير شعبهم ولا الوحدة الوطنية , وواصل طريقه ووقف في سـاحة المجلس التشريعي وأبى إلا أن يتحدث بلغة الكبـار , بلغة أشرف النـاس وأعز الناس , أن الوحدة ثلاثا يا شعب فلسطين , أوصـاهم بالبر والتقوى فأجسـامنا على النـار لا تقوى , أوصـاهم أن تحرير الأسرى فرض على كل مسلم ومسلمة فاجتهدوا على تبيض كل السجون.
الغدرة الثـانية .. أنه بخروج الدكتور عزيز دويك من سجون الاحتلال فإنه بذلك يصبح رئيسا شرعيا للشعب الفلسطيني فهو أعلى منصب وهيئة تشرعيه منتخبة بعد انتهاء ولاية رئيس السلطة محمود عباس بنص القـانون الفلسطيني الذي التف حوله عباس وزبانيته وشنقوا بنوده على أعواد الخيـانة والتآمر, بل وداسوه بأقدامهم وأصبح ماضيا , هذه هي الأمـانة التي أدى عليها القسم محمود عباس ووزرائه.
الغدرة الثـالثة .. عندما أمر محمود عباس رئيس حركة فتح أجهزة الحركة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين كافة من سجون السلطة ضانين أنها مبادرة طيبة تجـاه الدكتور عزيز دويك بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال , لكن متى !! بعدما فات الأوان ؟؟ بعدما أصبح الأمر ليس في يده , وقد حُذر من ذلك , وأصبح الآن لا يملك شيئا , وبات أمره مرتبط بعدوه لا انفكاك عنه , حتى أن جنده رفضوا هذا القرار 'فأصبح قوله كبوله' , بل وعملوا على ملاحقة ومراقبة كل الوافدين المهنئين للدويك في بيته واعتقالهم وزجهم في السجون عدا عن اعتقال مرافقه ومدير مكتبه الشخصي.
إذن هذا غيض من فيض في مسلسل الغدر والخيـانة الذي ينتهجه محمود عباس وحاشيته في حق الشعب الفلسطيني الصـابر المجـاهد وفي حق هذه الأمة وتاريخها المجيد , وأحببت أن أفصح عنه في حضرة الرئيس الفلسطيني الدكتور عزيز دويك بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال مهنئا بأن من الله عليه بالفرج , وأشد على يده بمواصلة الطريق الذي بدأه طريق الوحدة والبنـاء والمقـاومة , لكنها في المقـابل تبقى رسـالة أمـانة وجب أن أؤديها إلى أصحـاب الضمـائر الحية أن ممثلنا الشرعي والوحيد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ذكر حديث شريف من أجله كتبتُ هذه الأسطر , حيث يقول عليه الصلاة والسلام ' لكل غادر لواء عند إسْتِه يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة '. -عند استه- أي تحت مقعدته ويا لها من فضيحة يوم يقوم الأشهاد ويرفع اللواء بقدر غدرته إن كانت كبيرة صار كبيراً وإن كانت صغيرة صار صغيراً ، ويقال هذه غدرة فلان ابن فلان , فكيف بالذي يغدر شعبه و أمته !!؟؟
لذلك هي رسـالة محمدية قاسية لمن يسلك في هذا الطريق , والتحذير منه فقد أُمِرْنا أن نؤدي الأمانات إلي أهلها وأن نوفي بالعهود [أن العهد كان مسئولاً]. وليعلم الجميع أن وحدتنا في تمسكنا في ديننا والتفافنا حول حقوقنا وثوابتنا , وسنسأل عن ذلك يوم القيامة فماذا نقول.


