الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 03:13 م

مقالات وآراء

استسلام الكون والسلام الأبدي

حجم الخط

بقلم د. خالص جلبي

 

الدنيا مركز عداوة بعضنا لبعض، ولنا فيها مستقر ومتاع إلى حين. والكون مخلوق بطريقة مختلفة بدون عداوة؛ فالكل له مستسلم طوعا وكرها، والكل له يسجد طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال..

 

ولكن كيف نفهم هذا التناقض بين الطوع والكره، وجواب هذا هو أن كل الإرادات تتحطم أمام السياق الكوني، ولعل فصل الخريف أوضحها في هذا مع تساقط ورق الشجر..

 

حين يعصي ويشذ من يشذ؛ فيقتل ويعتدي ويخرب ويسفك الدم،  وينسف الحرث والنسل، أو على العكس يهدي إلى الحق وهو على صراط مستقيم، فهذا جانب، ولكن نومه ويقظته وتنفسه وتبوله وعطاسه وشهيقه، كلها تقوم على قوانين، هو لها مستسلم لا يحيد؛ فقلبه الذي يضرب، ونفسه الذي يأخذ، وعرقه الذي يفرز، وفي النهاية روحه التي يسلم كلها ضمن دائرة من هذه القوانين القاهرة الساحقة الماحقة التي لا يخرج عنها صالح وعتل زنيم..

 

ولذا كان الموت التجلي الأعظم للقهر.. وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين..

 

ومن لا يستطيع تصور الاستسلام الكوني فلينظر إلى وجه ميت؛ حين يأتون فرادى كما خلقوا أول مرة ، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء؟ لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون؟؟

 

هنا يبدو السجود والخشوع والاستسلام والقهر بدون حدود..

 

ولذا فله من يسجد في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال..

 

ولذا فأي دين يبغي البشر لن يشذوا عن هذا الدين الذي يتلبسهم، أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها

 

آباؤنا ماتوا وأجدادنا سبقوهم من قبل إلى عالم مغيب لا نعرف عنه سوى البلى والعظام وهي رميم، ويودعنا أحبابنا ونحن لا نكاد نصدق فإذا هم في الذكرى أسماء وقائع لا تزيد.. وكما ماتوا سنموت ...

 

وسيموت أولادنا وذرارينا من بعدنا، ولكن في كل مرة نواجه الموت، فنرى موت واحد يقوم محله اثنان وثلاث.

 

سنة الله في خلقه في التكاثر؛ فالحياة تقهر الموت دوما، لأن الحياة تنبع من الحي الذي لا يموت، والعدم والموت هو خلق من خلق الله، فتتعاقب الصور وتبقى الحقائق..

 

ومنه أفهم لماذا كانت الغريزة الجنسية في أجسادنا ملحاحة متدفقة مشبوبة في نار لا يطفئها ماء ودخان، فإذا قضى أحدنا منها وطرا وكأنه يعتصر برتقالة وينهش لحما، ظن أن الهجوم هجع، فإذا به يعود أقوى فحولة وأعظم دفقا وعجلة وحرارة.. ولقد خلقنا الإنسان من ماء دافق..

 

وأفهم أيضا هذا الفرح والهزيج والرقص والاحتفال العارم في حفلة الزواج، بما فيها إطلاق الغدارات والتفنكات والبشتو والفتيش والعيارات النارية من الفرود، فليس من ثقافة لاتحتفل بالزواج علنا وعنيفا وواضحا وباذخا...

 

لأنها كلها تجليات لمعنى واحد؛ معنى انتصار الحياة على الموت، فمع الزواج الضعف والشيخوخة والهرم والتفنيد، فكل متعة فيها انحطاط، وكل وصال نعوة للموت واقتراب منه شعر، فنحن نحمل النار الأبدية، ونحترق في لظاها المحموم من الحب الجنوني والغزل الفادح..

 

ولكن من رحم هذا العش يخرج فراخ صغار يكبرون فيعيدون الدورة من جديد..

 

الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير..

 

بل أفهم أيضا لماذا مات والدي ولم يكن يشكو من علة؟

 

لأنه رأى أقرانه قد تساقطوا جميعا، فما من مخبر؟ وتلك القبور تروي العبر، فيا سائلي عن أناس مضوا أليس في من مضى من قبورهم معتبر؟؟

 

في الخريف تتساقط أوراق الشجر، ليقوم محلها أوراق جديدة في الربيع، ويتضخم الإحساس بالزوال، والاقتراب من الفناء، وهكذا تتعاقب الفصول، وتزول الفردية ويبقى النوع، فهذه هي حقيقة وجودية ساحقة غامرة..

 

ولكن القرآن يدخل إلى قلوبنا السرور والفرح بلا ريب؛ فيقول لا ... إن الفردية سترجع مرة أخرى؛ فنجتمع بمن نحب، كما أرى في نومي دوما القديسة ليلى التي ودعتنا وهي في سن الشباب، فنقول الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب..

 

هناك يؤتى بالموت على شكل كبش أملح فيذبح، ويقال لأهل الجنة ألا... لا موت بعد اليوم، فيقولوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فلك الحمد على ما قضيت وتفضلت فأعطيت..

 

أرسل لي الأخ الطويل وفي عينه العبرات، عن قوم ركبوا متن الدين وتنطعوا فأهلكوا وهلكوا، فلا أرضا قطعوا ولا ظهرا أبقوا؛ فقلت له الله أمر نبيه بهدم مسجد الضرار وهو مسجد، لأن العبرة ليست في القوافي بل المعاني، ولذا نصح القرآن الصحابة أن لا يقولوا رعانا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم..