الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 12:43 ص

مقالات وآراء

حملة تصفية لحركة حماس في الضفة الغربية

حجم الخط

 

بقلم: أ. ياسر الزعاترة

 

 اعتقل الجيش الإسرائيلي قبل أيام شابين من عناصر حركة حماس في مدينة الخليل في الضفة الغربية قال إنهما مطلوبان لديه بدعوى إطلاقهما النار على سيارات إسرائيلية في المنطقة منذ نحو شهر. وقال متحدث عسكري للإذاعة الإسرائيلية إنه عثر في مسكن الشابين على سلاح وذخيرة، وإنه تمت إحالتهما إلى التحقيق.

 

قد يسأل البعض هنا لماذا لم يجر ترك الشابين للسلطة الفلسطينية كي تعتقلهما مادامت المدينة قد أصبحت تحت ولاية الأجهزة الأمنية الفلسطينية؛ ولو جزئياً وفي أوقات معينة، وبالطبع قياساً على ما جرى في مدينة قلقيلية التي شهدت عمليتي قتل لستة من عناصر حماس المطلوبين لقوات الاحتلال؟ الجواب يتلخص فيما قاله مدير الموساد السابق أفرايم هاليفي، ممثلاً في واقع أن السلطة حتى الآن ليست جاهزة للقيام بمهمة قمع المقاومة، وهو ما يتطلب عامين اثنين حتى يتمكن الجنرال الأميركي دايتون من تدريب سبع كتائب أخرى من الشرطة الفلسطينية (يجرى تدريبها خارج فلسطين بإشراف أميركي)، تضاف إلى الثلاث السابقة على قاعدة «الفلسطيني الجديد»، ما يعني أن ما جرى في قلقيلية هو «بروفا» لتأهيل تلك الأجهزة (عسكرياً ونفسياً) كي تكون جاهزة للتعامل مع حالات تمرد هنا وهناك (التأهيل النفسي ضروري لتجنب الشعور بأية حساسية تجاه استهداف مطاردين مــن قبل قوات الاحتلال).

 

بالمناسبة، هذا المصطلح «الفلسطيني الجديد» هو من ابتكار الجنرال دايتون، وقد فصل بشأنه في حديث أمام معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، ذراع اللوبي الصهيوني الفكري في الولايات المتحدة، والفلسطيني المذكور هو فلسطيني بلا تاريخ نضالي، أمّيٌ على الأرجح، يتعامل مع وجوده في الشرطة بطريقة «مهنية»، أي لأنه لو طلب إليه من قادته إطلاق الرصاص على أحد ذويه لفعل.

في الخليل، ولاعتبارات تجذر العشائرية في المدينة المحافظة، قد يحتاج الموقف بعض الوقت كي يصار إلى الدخول إلى أزقتها وتكرار تجربة قلقيلية، ما يعني أن قوات الاحتلال ستواصل ترتيب الموقف بيدها حتى يحدث ذلك، مع العلم أن طبيعة المطلوبين تبقى مهمة في تحديد طبيعة التعامل معهم؛ لأن بعض عناصر المقاومة المسلحة لن يسمح للسلطة بالاقتراب منهم، ولابد من القبض عليهم من قبل الأجهزة الأمنية الصهيونية بشكل مباشر.

 

اليوم في الضفة الغربية ثمة استهداف رهيب لحماس (المقارنة مع وضع فتح في غزة ظالمة لأن القصة هناك لا تعدو أن تكون تضييقاً لا أكثر ولا أقل، بدليل أن كتائب الأقصى التابعة لفتح مازالت تحمل السلاح). وهو (أعني استهداف حماس) انتهى تماماً من المؤسسات بشتى أنواعها، بينما يعمل الآن على ملاحقة البشر (أكثر من ستمئة معتقل) بطريقة لا تنطوي على أية رحمة، لاسيما بعد أن عمد إلى استهداف عدد كبير من النساء بالاعتقال والاستجواب بدعوى أنهن يساعدن التنظيم على القيام ببعض المهمات (هي في الحقيقة متابعة أسر الشهداء والأسرى)، فضلاً عن الاستهداف الذي يطال الأسرى المحررين الذي لا يكاد بعضهم يخرج من سجون الاحتلال حتى تتلقفه أجهزة السلطة، بينما يحدث العكس في بعض الأحيان.

 

لا صلة لذلك كله بحكاية الحؤول دون تكرار الانقلاب الذي وقع في قطاع غزة (الضفة تحت الاحتلال الكامل وسيطرة حماس عليها مستحيلة)، فهذا مجرد تبرير لا أكثر، أكان أمام الجماهير التي تراقب ما يجري بعيون مفتوحة، أم في سياق تجييش حركة فتح لصالح المعركة، هي التي تشعر بالضيق بسبب تهميشها، وبالطبع بعد في ظل حقيقة أن المال والأمن بيد سلام فياض وحكومته، مع العلم أننا إزاء رجل بلا أي إرث نضالي حتى لو كان مقالاً في صحيفة لصالح قضية فلسطين، ومع العلم أن الرجل الذي جاء به الأميركان من البنك الدولي لكي يشرف على حركة المال في السلطة كي لا يذهب بعضه لدعم المقاومة.

 

ما يجري هو تنفيذ للبند الأول من خريطة الطريق، ودائماً من أجل «إحراج نتنياهو أمام الإدارة الأميركية»! كما أنه تثبيت لواقع السلطة/الدولة بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات، أما ربط الأمر بملف المصالحة، فيبدو محاولة للضغط على حماس كي تخضع للشروط المطروحة، في الوقت ذاته الذي يرتب الأجواء للانتخابات المقبلة، إذا تم الاتفاق عليها، والتي ينبغي تنظيمها في ظل وضع لا يسمح لحماس بمراقبتها، فضلاً عن إدارتها.

 

هكذا يدفع فرع حماس في الضفة ثمناً هو الأغلى منذ تأسيس الحركة قبل أكثر من 21 عاماً، لكن ذلك ليس خاتمة المطاف، فمن يعتقدون أن بوسعهم من خلال حملات القتل والاعتقال أن ينهوا حركة متجذرة في ضمير شعبها على مختلف الأصعدة واهمون، وقد سبقهم إلى ذلك الاحتلال بكل هيلمانه فلم يفلح، ولو أجريت انتخابات نزيهة لكانت نتيجتها تفوق حماس من دون شك، مع رفضنا لهذا المسار لما ينطوي عليه من شطب للمقاومة وتكريس لمسار المفاوضات.

 

لا حل لهذه المعضلة التي ترهق القضية، ومعها سائر العبث الذي نتابعه سوى عودة حركة فتح إلى روحها وبرنامجها الأصيل، وإذا لم يحدث ذلك وتفوق دعاة رفض العسكرة وجماعة دايتون في الصراع بشأن مصير الحركة، فإن رحلة التيه التي نتابعها ستكون طويلة بعض الشيء.