بقلم: د. فايز أبو شمالة
غيمة سوداء حطت على المكان، وأمطرتني حزناً، ليغمرني الذهول، وأنا أسمع في 'معبار' سجن الرملة من السجين 'يحيى أبو سمرة' أن 'عمر القاسم' قد استشهد، لم أصدق الخبر، فعمر القاسم ذو الجسد الرياضي، ويجري على رأس طابور الصباح في باحة سجن عسقلان، بينما كنت، وأمثالي نلهث في آخر الطابور! فكيف استشهد عمر؟
لقد أرسلت له قبل شهر شعراً بمناسبة مرور عشرين عاماً على اعتقاله، وكان أول سجين فلسطيني يجتاز خط العشرين سنة، أرسلت له من سجن نفحة إلى سجن عسقلان كلمات مودة، وتقدير أنبتت الفرح في قلبه كما قيل لي، كلمات قرأها كثيراً في سجنه، وبصوت مرتفع، أذكر منها:
عشرون عاماً يا عمر!
عشرون عاماً قضُّها وقضيضُها
لا صيفُها ألقى عصا ترحاله
وشتاؤها ما زال في إبكاره
والأرضُ عطشى للمطر
عشرون عاماً يا عمر!
قال له عمر القاسم: إلى ماذا تريد أن تصل مع رجل له عشرون عاماً في
السجون؟
قال اسحق نافون: أريد منك فقط أن تدين الإرهاب، وأن تعترف بدولة إسرائيل، وتتعهد بعدم القيام بأي نشاط سياسي مقابل الإفراج عنك والسماح لك بالإقامة أينما شئت حتى في القدس.
أجاب السجين عمر القاسم: سيد نافون لك منصبك، وعرشك ولنا سجوننا، ولا تظن أنني لا أحب الحياة والحرية ولا أكره السجون، ولكنني يا سيد نافون لن أساوم !
ذات يوم قلت لعمر القاسم في باحة سجن عسقلان: أنت أحسن حالاً مني يا
عمر، فلا ولد يشغل بالك، ولا طفل يضرب عصب وجدانك. فقال عمر: بل أنت أحسن حالاً مني، صحيح قد يشغل قلبك فراق أطفالك، ولكنك لو مت، سيظل اسمك، وستجد من يحمله، بينما أنا لو مت: فمن سيحل اسمي؟ تنهد عمر وهو يقول: يا ليت لي ولداً!.
لم يخرج عمر القاسم من السجن إلا شهيداً بعد واحد وعشرين عاماً، ومع ذلك ظل اسمه حياً، يحمله كل شهيد، وكل أسير، وكل جريح، وكل امرأة فلسطينية تقسم بالله العظيم أنها لن تتخلى عن المقاومة، ولن تعترف بإسرائيل، ولن تساوم على حبة رمل من فلسطين.
فمن المجرم الذي سيقتل عمر القاسم؟

