بقلم : أ.منى منصور
بعد أن تحولنا – كأمّةٍ مريضة – إلى العيادة الأمريكية لعلاج حالة الإمساك المزمن التي نعاني منها؛ اعتدنا أن يقدم لنا طبيب العيادة بين حين وآخر شَرْبةً من زيت الخروع نتجرّعها ولا نكاد نسيغها ثم نتقيّأها وتدوم حالة الإمساك. ولكن طبيب العيادة الجديد ( أوباما ) أثبت مهارته فغلّف زيت الخروع بغشاء رقيق من السُّكّر وقدّم لنا الشربة التي كنا ننتظر، فقد اختفى الإمساك تماماً وأعقبه إسهال نأمل ألا يكون مزمناً، ذلك أن الطبيب الجديد يبدو وكأنه متخصص بعلاج الإمساك ولا يبدو عليه أن لديه خبرة بالتعامل مع حالات الإسهال.
أجل، فقد كان خطاب ( أوباما ) الذي وجهه إلى الأمة الإسلامية من القاعة الكبرى لجامعة القاهرة وحضره جمهور كبير من الساسة وأصحاب القلانس والعمائم، كان بمثابة غشاء السّكر الذي غلّف زيت الخروع، هذا الزيت الذي تجرعناه مراراً من غير سكر ومن يد رؤساء الولايات المتحدة السابقين. وعند التمعن في المضامين سنجد أن ما قدمه أوباما هو نفسه ما قدّمه بوش ومن قبله كلينتون وغيرهما، مضامين لا تزيد عن كونها زيت خروع تعافه النفوس إن شفانا من الإمساك أصابنا بالإسهال.
إن الغرف الذي وقّعه أوباما على أوتار القيم والمثل والمبادئ، وتعنى به على ألحان الحوار والسلام والتسامح لا يمكن أن تطرب له أُذُنٌ سليمة، صحيح أن جمهور الحاضرين صفقوا له كثيراً، ولكنهم ليسوا سوى معجبين يطربهم كل ما يصدر عن أوباما ولو كال لهم الشتائم، أما الذين يهتمون بالغوص إلى أعماق الفكرة، ويبحثون عن جوهر المعنى، ويعتنون بصدق العاطفة فلن يجدوا في أفكار أوباما جديداً، ولا في معانيه مفيداً، ولا لعواطفه الصادقة رصيدا.
إن أوباما عندما يوجب على حركات المقاومة عدم استخدام العنف في فلسطين مطلقاً؛ ينسى أن جيوشه الجرارة وأسلحته البتّارة قد حصدت وما تزال تحصد أرواح مئات ألوف المدنيين في باكستان وأفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين، بل إن أزيز الرصاص الذي أطلقه (دايتون ) على رجال المقاومة في قلقيلية يوم إلقاء أوباما خطابه كان أعلى من أنغام الحوار والتسامح التي عزف عليها الخطاب، وإذا كان رصاص ايتون قد أصاب رجال المقاومة في مقتل، فإن أنغام خطاب أوباما قد سفكت دم الحوار وأزهت روح التسامح.
ولم يكتف أوباما بإلزام المقاومة بنبذ العنف (حسب تعبيره)، بل بضرورة مكافأة الاحتلال بالإعتراف له بدولة على الأرض التي اغتصبها وشرّد أهلها ولا يسمح لهم بالعودة إليها بأي حال. وما زال كل يوم يغتصب أرضاً جديدة ويشرّد مزيداً من البشر، كل هذا ولم يكلف أوباما نفسه بإدانة الاحتلال واستنكار الإغتصاب واستهجان التشريد ناهيك عن مطالبة المحتلين بالإعتراف بحقوق أبناء شعبنا التي تكفلها لهم كل الشرائع والقوانين والأعراف والقيم والمبادئ. وإن من إستمع إلى خطاب أوباما وجد أن لهجته تشتد عندما يتعلق الأمر بالضحية فيتحدث عن الفروض والواجبات والضروريات الملزمة، ولكن هذه اللهجة ترقّ وتلين عندما يتعلق الأمر بالجلاد فيقول إنه لا يريد أن يفرض عليه الحلول وإنما أن يبحث معه عن الحلول.
ومما تجدر ملاحظته على أوباما أن ينظر إلى أنّ فلسطين هي ما ستؤول إليه الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهما أرضاً متنازعاً عليها وليست أرضاً محتلة يُغلق ملف قضيتها بانسحاب الاحتلال منها، ولفضّ النِزاع يقترح أوباما على الجلاد نفس ما يقترحه على الضحية من ضرورة تقديم تنازلات مؤلمة. فإذا عرفنا أن الجلاد هو أقصى اليمين الأشد تطرفاً، فإن التنازل المراد منه هو التراجع عن أفكار أملاها عليه تشدده وتطرفه، وأما التنازل المراد من الضحية فهو التنازل عن معظم حقوقه المتبقيّة له على ضوء ما تنص عليه قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية، والتسليم للغاصب بما اغتصب وللناهب بما نهب.
هذا هو أوباما، وهذا هو خطابه في أعمق افكاره وجوهر معانيه وأصدق عواطفه، لا يزيد عن كونه شربة من زيت الخروع مغلفة بغشاء رقيق من السّكر يساعد المخدوعين المصابين بالإمساك على إستساغة تجرّعه فلا يطول بهم الوقت حتى يختفي الإمساك ويحل محله إسهال لا يرجى الشفاء منه، حتى يظهر طبيب أمريكي جديد يخترع لهم دواء يقضي على الإسهال ويعيد لهم الإمساك!!

