الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 05:24 م

مقالات وآراء

حوار على جرح النكبة !!

حجم الخط
بقلم / محمد سلامة  
 

هل نحن فعلا موحدون أمام ثوابتنا وحقوقنا أم منقسمون ؟ كم مرة تكون ذكرى نكبة فلسطين فرصة لطرح السؤال ؟ غالباً هي للتذكير بالمجازر والمذابح التي ارتكبت بحق شعبنا , وتارة ما تكون للتأكيد على الأحقية التـاريخية والدينية في أرض الميعـاد , وأخرى بإقـامة فعاليات ونشاطات في الداخل والخـارج بالإجماع 'أنه لا عودة عن حق العودة' ..

 
في هكذا مناسبة بالذات أطرح : ما الذي مكّّن عصابات إرهابية صهيونية من طرد شعب فلسطين من أرضهم ، وان تستقر هي عليها منذ 61 عاما وحتى الآن ؟ قوة فلسطين والعرب ؟ طبعا لا. بل العكس: هوانهم وقلّة حيلتهم وعدم إيمانهم بحقهم , هذا الحـال كان كفيلا بالأمة الإسلامية أن تفقد جزءا مهما من أرضها وجانبا كبيرا من مقدساتها , واليوم ..
فمن المؤسف أن تمر الذكرى الحـادية والستين لنكبة فلسطين , وما يزال قادته المشردون من أرضهم , يبحثون فيما بينهم عن شعـارات يطلقونها في مثل هذه المنـاسبات , أهي واقعية أم خيـال ؟ هل إسرائيل عدونا أم صديقنا ؟ وإذا كانت عدونا .. كيف يمكن لنا مواجهتها 'بدون ازاعجها' ؟ هل من المعقول بعد 61 عـاما من التشرد والمعـاناة , أن نعود إلى أرضنا التي هُجرنا منها قسرا , أم أن الأمر بات صعبا لأن المحتل أصبح مستوطنا فيها ؟ هل نحن فعلا موحدون أمام ثوابتنا وحقوقنا أم منقسمون , ونكتفي بالهتاف لها في المناسبات ؟
 
إن المتـابع لمـا يجري داخل أروقة المصالحة الفلسطينية في القاهرة يجد أن العراقيل التي تمنع دون التوصل إلى مصالحة وطنية ليست في تقاسم وزارة هنا أو هناك أو الجري وراء مصالح  خاصة والتمسك بالكراسي , كما يدعي أو يردده ما يسمون أنفسهم 'بالحيادين' وأنه يجب على حركتي فتح وحماس الترفع عن سفاسف الأمور , وتغليب المصلحة الوطنية العـامة على المصالح الحزبية الخاصة ..
هذا كله فقط للاستهلاك الإعلامي أمام شعبنا بأننا موجودون فلا تنسونا من خيركم إذا اتفقتم , إذا كانوا هم حريصون على المصلحة العـامة التي يتشدقون بها , فليصّرحوا بالحقيقة المرة التي ما تزال حماس تغض الطرف عن فضحها , من أن هناك قوما لا يؤمنون بحق العودة أصلا , وهم غير معنين بزوال إسرائيل , فهي تمثل لهم المـاء والهواء , تغض الطرف عنهم , حرصا على المصلحة العـامة في استمرار الحوار لغة سائدة , ودراء لأي مفسدة قد تنتج عنها , ولعل الله يُخرج من أصلابهم من يؤمن بعدالة قضيته وحتميتها , المشكلة تكمن يا إخوان وللأسف الشديد أن  البعض ما زال يراهن على شعبنا الصابر بعد كل هذه المعاناة والآلام , في كسر إرادته وتطويعه للإملاءات الصهيوأمريكية والتنازل عن كل حق يطالب به أبناء شعبنا , أي أننا نعترف للصهاينة بأنه لا أرض لنا وأن هذه الأرض لكم 'وإحنا كنا قاعدين فيها بالغلط' ليس هذا فحسب , بل يتوجب علينا قانونا دفع كل الأضرار التي تسببنا بها للصهاينة طيلة هذه الفترة من الصراع .
 
هذه باختصـار وإيجـاز هي نقـاط الخلاف بين أكبر فصيلين فلسطينيين يتحاوران على جرح النكبة في عاصمة عربية تؤمن بالفكر الثاني : فالأول 'حماس' يؤمن ببُعده الفكري للقضية الفلسطينية على المزاوجة بين الانطلاق من قاعدة الإسلام والحفاظ على الهوية الفلسطينية , والآخر 'فتح' يؤمن بالبعد القومي الممزوج باللبرالية بعيدا عن الإرث الإسلامي في التعـامل مع القضية , فهل بربكم سنخرج بنتيجة من حوار كهذا ؟ بالطبع , لا , ليس لأن حماس ومعها الشرفاء من أبنـاء شعبها هم الذين سيقفون صمام أمـان حفاظا على هذه الأمـانة , كلا , لأن الحكمة ضالة المؤمن , والمثل العربي يقول 'لا يستقيم الظل والعود أعوج' وهذا أصدق دليل على ذلك , وإلا .. فستصبح حوارات المصـالحة نكبة جديدة تضـاف إلى نكبة 1948 , لكن هذه المرة ستكون الأصعب لأنها جاءت بإجمـاع 'وطني' , وهذا لن يكون .
 
أمـام هذه المعـادلة الواضحة يتحتم علينا جميعا أن نستغل مرور هذه الذكرى لنعيد جدولة مطالبنا التاريخية كفلسطينيين بشكل تلقائي وترتيبها , إذا صدقنا النوايا وآمنا بأحقيتنا في أرضنا , حتى نكون أمناء مع أنفسنا أولا ثم مع شعبنا في جولات مكوكية أرهقت كاهله وهو ينتظر اليوم الذي يُعلن فيه عن وحدة الصف ولم الشمل.
 
فهذه المناسبة تذكرنا بأن الأرض الفلسطينية كل الأرض الفلسطينية مغتصبة وأن العدو الصهيوني الذي جيء به من شتى بقاع الأرض هو الغـاصب .
 
هذه المناسبة تذكرنا بالحفـاظ على عهد الشهداء وتضحيات الأسرى والمعذبين والحـالمين بالعودة  بضرورة التمسك بالحقوق والثوابت من حق لعودة اللاجئين والأسرى والقدس ووحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وهو ما فرَّطت به منظمة التحرير في إعلان الاستقلال عام 1988 عندما تنازلت عن 78% من الأراضي الفلسطينية إرضـاء 'لمسلسل السلام المزعوم' لتصبح بذلك أول حركة مقاومة تقبل بالتنازل عن أراضيها الوطنية.
 
هذه الذكرى ترجع بنا إلى صدقية موازين القوى العالمية 'الديمقراطية' ، وحقيقة الشرعية الدولية، وتصرخ بأعلى صوتها لتسائلها , بل لتحاكمها : هل كانت عادلة في قراراتها ؟ هل استطاعت أن تعيد الحق لأصحابه , أم أنها ماطلت وساهمت على مدى تاريخ طويل في إضفاء شرعية على الجريمة التي ارتكبتها العصابات 'الصهيونية' بحق الشعب الفلسطيني , وفي المقـابل ما زالت ترفض القبول بنتائج الانتخابات الشرعية الفلسطينية , وتسدل الستار علي الجرائم الإسرائيلية، بحق الشعب الفلسطيني وقادته رغم الِإدانة الكبيرة التي لحقت بهذا الاحتلال علي مستوي العالم.
 
هذه الذكرى تفضح مأسـاة ستة ملايين لاجئ ما زالوا يتجرعون كأس المرارة والإبعـاد ويحلمون بالعودة , فلا يعقل أن نخرجهم من معادلة الصراع مع الصهاينة وهو للأسف ما تسعى (العبقرية!!!) العربية والفلسطينية إلى إسقاطه من خلال محاولات للالتفاف حول القرار 194 الخاص بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم !
 
ولا ننسى أيضا أن هذا الحق سُلب منا بالقوة , فلا يمكن أن يعود إلا بالقوة , أي أن حمامة السلام المزعومة لا يمكن لها أن تصمد بين أنياب الوحوش , وهذا ما تعامل به أعداءنا عند إقامة كيانهم الغاصب بمقولة لأحد كبار حاخاماتهم , 'أننا أخذنا الأرض بالدمـاء فلا يمكن أن نعطيها بغير ذلك' .

 

فإذا كان هذا مبدأ احتلال يخـاف على نفسه من الزوال وهو قـادم لا محـال 'وعد إلهي' , فلمـاذا لا يكون لنا شرف صناعة زواله , بوحدتنا حول ثوابتنا , لكي لا نصنع نكبة جديدة تلفظنا هذه المرة مما تبقى من أرضنا أو حتى من ديننا .