سررت كثيرا عندما سمعت بقيام بعض المختصين ببناء بيوت من الطين في محاولة للتغلب على الحصار الظالم المفروض على غزة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهذه المحاولة تصب في الإطار الصحيح كوننا شعب لا زال يتجرع مرارة الاحتلال، وارتضينا بالمقاومة سبيل للتخلص من المحتل.
لكن نحن بحاجة إلى المزيد من هذه المحاولات والتجارب للوصول إلى حالة من الاكتفاء والتكيف مع الواقع لتوفير الحد الأدنى والمعقول من الاحتياجات الإنسانية اللازمة لمواصلة الصمود والتحدي حتى ننال الحرية و الاستقلال، خاصة و أن معركتنا مع الاحتلال ما تزال قائمة وتنتقل من مربع إلى آخر أكثر ضراوة وشراسة من ذي قبل.
ومن المحزن في المقابل أن تعتمد في كثير من حاجياتنا الأساسية على غيرنا في تلبيتها، خاصة وأننا شعب متعلم وينافس غيره من شعوب الدول المحيطة في ارتفاع نسبة المتعلمين وانخفاض الأمية، كما أننا وفقا للدراسات العلمية نحمل شهادات جامعية أكثر من عدونا نفسه، ومع ذلك نعتمد على غيرنا في قضايا يمكن لمهندسينا وخبرائنا لو حاولوا أن يجدوا البديل، لنصبح بحق شعب مقاوم، نسخر العلم والخبرة في مجال الصمود والتحدي أمام المحتل الغاصب الذي يحاصرنا من كل ناحية، ويحاربنا في الأرزاق والطعام والدواء.
فلماذا ننتظر حتى يحضر الوفد الأجنبي ليقوم بإصلاح محطة الكهرباء، وفي حال رفض الاحتلال السماح للوفد بالدخول يعنى استمرار معاناة المواطن من الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، على الرغم من وجود عشرات المهندسين في مجال الكهرباء وغيره، الذين يتخرجون سنويا من كليات الهندسة من جامعاتنا المحلية والجامعات الأجنبية.
ولماذا لا نصل إلى تأمين رغيف العيش وهو الأهم من صنع أيدينا، فلدينا أراضي واسعة انسحب منها المحتل ولا زالت غير مستفاد منها ولو بالحد الأدنى، ولماذا نعتمد على عدونا في إدخال الفواكه والحبوب والأعلاف وغيرها، وهنا أذكر أننا تعلمنا منذ صغرنا أن الشعب الحر هو الذي يأكل مما يزرع، لذا سعى عدونا وعبر عشرات السنين من الاحتلال أن يحولنا إلى مستهلكين، ويمنع أي محاولة تصل بنا إلى الاستغناء عن الاحتلال في أي مجال من المجالات، بل وزاد المفاوض الفلسطيني الطين بلة عندما وقع على اتفاقية باريس الاقتصادية التي تشرع للمحتل سيطرته المحكمة على جميع النواحي الاقتصادية لدينا، وتمنعنا من الاستقلال أو الاستغناء عن المحتل، حتى نظل نعاني القهر والمرارة، لذا أصبح من الواجب علينا اليوم أن ننفض عنا غبار التبعية وأن نشرع بالاستقلال الاقتصادي حتى نصل إلى الاستقلال السياسي والحرية المطلقة.
