الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 09:49 م

مقالات وآراء

حينما ينتحر المجتمع.. (ثقافة جلد الذات)‎

حجم الخط

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن النقد الذاتي ضروري وصحي وبمثابة غذاء ضروري للروح الذي لا غنىً عنه أبداً، وهو أول خطوة على طريق وصف الدواء للداء، والنقد الذاتي هو التحضر واستنهاض للهمم، وهو يربي النفس ويقلمها، ويشد من العزيمة، ويقلل من نسبة الوقوع في الخطأ، ويقوي الحواجز والموانع ـ فهو بمثابة المضادات الحيوية للأحياء ـ التي تتصدى للفشل والاستسلام، وهو ضروري، ويشكل ركناً أساسياً في تحقيق وتسجيل الانتصارات .
إن النقد المبالغ فيه وللأسف بات أشبه(( بجلد الذات)) بل قل إعدامها  وبدم بارد في ساحة النقد الصارم

فلقد أوغل الكثيرون في التبصر والتحديق وبعدسة مكبرة للعيوب والأخطاء والنقائص
وبات هم الكثيرين من مدمري النهضة وهدامها (الكارهين لذواتهم) هو زرع هذه الثقافة في جيل الشباب لتحقن فيه حالة من اليأس من كل ما يمت لمجتمعه ولثقافته وحضارته بصلة
فتراهم ينسفون تاريخاً حضارياً حافلاً بالإنجازات والإبداعات يمتد لمئات السنوات بجملة أو جملتين وبأسلوب جزمي عارٍ من أي برهنة!.
 لقد نسى هؤلاء أن الله تعالى قد كرم الإنسان  وقال في حقه  {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} وما أجمل أن نستقي  ما قاله ابن العربي المالكي في تلك المعاني، حيث يقول:( ليس لله خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء ووقع البيان بقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم على صورته) (تفسير ابن العربي، 4-1941).
فالإنسان لا يكون سوياً ولا منتجاً ولا مبدعاً ولا سعيداً إلا إذا كان يحترم ذاته وبدرجة كافية دونما غرور أو تعال، أما من يحتقر ذاته فيعيش حالة مرضية تورث الشعور بعدم الكفاية وانعدام القدرة لينتهي الإنسان في نهاية المطاف في دوائر سحيقة من اليأس والإحباط، فيقعد الإنسان حينذاك عن بلوغ غاياته وأهدافه،
لقد أثمر غرس هذه  الشجرة الخبيثة (جلد الذات) أزمة حقيقية هي (أزمة الهوية) لدى  الشباب اليوم وخجلهم من كونهم ينتمون لهذا المجتمع العربي الإسلامي ، ولقد أصبح الكثير من  الشباب  اليوم يائسا مؤمنا بأن :لا أمل إلا في اليأس ذاته.. وأصبحت رؤوسهم فارغة من الأمل والعمل فكلمة ((عربي)) ((ومسلم )) وللأسف أصبحت اليوم  عنوانا للتخلف والانحدار في كل القيم و أضحت هذه الكلمة  مخدراً عضوياً يدمن فيه العقل على تعاطي الكسل التفكيري وتدمن فيه النفس على تعاطي الخمول الإصلاحي لتتلف بذلك خلايا الطموح النهضوي

 ولعله يكون من العجب أن ترى من يأتي من يجري استبيانا لماذا يقلد الشباب الغرب اليوم؟
ولماذا يتمنى الكثير أن يهاجر ويترك المجتمع الذي يعيش فيه؟
فماذا نتوقع أن يكون تصرف شاب حيال ثقافته، إذا ما وصفها - من يسمون أنفسهم بالمثقفين والمفكرين في هذه الأمة - أنها ثقافة فشلت في تحقيق أي إنجاز يذكر خلال فترة يسميها الكبار حوله بأنها فترة إصلاحية تمتد لأكثر من مائة عام؟!

أنا لست أتبنى ظاهرة التيمن بالذات وتعديد المناقب التي توجد لدى مفكرين لا هم لهم سوى تمجيد الذات ونفخها، والتغني بأمجاد التاريخ، وروعة الإنجاز، وعظمة التشييد، والتغاضي عن كل خطأ وخطيئة ونقيصة في مختلف الميادين، مشهرين سيوفهم في وجه كل نقد للذات؛ تارة باسم الدفاع عن الدين، أو بحجة عدم إطلاع الأعداء على سوءتنا...

فأولئك يقتلوننا بحرق أجسادنا تحت أشعة شمس النقد المميت، وهؤلاء يقتلوننا بحجب أجسادنا من أن تتعرض لأشعة شمس النقد الباعث للحياة...
فنحن نعيش قبالة مرضين فاتكين، لابد لهما من التوسط وان كان موجودا لكنه بحاجة الى نشره من قبل من يتبنونه
لقد أسهم في شيوع هذه الظاهرة (جلد الذات) مروجو الفشل  سواء من قبل بعض  وسائل الإعلام أو عبر كتابات الكارهين لذواتهم أو عبر أنظمة بائدة يائسة تمارس سياسة تكميم الأفواه التي تنادي بالنهضة
أختم مقالي بدعوة إلى أصحاب المشروع النهضوي والى كل حر صاحب فكر وسطي آن الأوان أن نكون بحق الأمة الوسطية كما أراد الله سبحانه وتعالى ' وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا'  آن الأوان  أن يؤخذ كل واحد منا مكانه وأن يحمي ثغره من أمثال هؤلاء لكي ننعتق من ربقة التبعية الفكرية وتحقير الذات؛ على نحو يدفعنا إلى الدخول في دوائر الإبداع الحقيقي المتشبع بالدافعية الداخلية للنهوض بالأمة.
م. محمد النخالة