الخميس 01 يناير 2026 الساعة 11:08 ص

مقالات وآراء

لقاء مع شهيد

حجم الخط

كرّمني الله سبحانه وتعالى ويسّر لي أن أدخل قطاع غزة مرتين في عام واحد، المرة الأولى كانت الأولى بالمطلق التي أتشرف فيها بدخول جزء عزيز وغال من أرض فلسطين الحبيبة، وكان ذلك في شهر يناير/كانون الثاني من العام المنصرم 2008، يومها سجلت اللحظات التي عشتها ووثقتها تحت عنوان 'غزة...أرض العزة'، كانت زيارة خاطفة عبر الحدود التي انهارت في ذلك الوقت فجمعت بين أبناء الشعب الفلسطيني وأشقاءهم ابناء الشعب المصري، في مشهد لا ينسى، يومها دخل نصف قطاع غزة إلى أرض مصر وعادوا دون أن تسحل حادثة واحدة ضدهم تشينهم، رغم الظروف غير الطبيعية والمعاناة التي كانوا يعيشونها.

 

 المرة الثانية التي تشرفت بها دخول غزة كانت في أكتوبر/ تشرين الثاني من نفس العام 2008، هذه المرة كانت عبر البحر من قبرص وعلى متن قارب الكرامة الصغير، لأيام قليلة ايضاً، لكنها حملت الكثير والكثير، والتقيت فيها صحبة من كانوا معي على القارب بأعضاء الحكومة الفلسطينية، وأعضاء التشريعي، وغيرهم من القيادات الشبابية واليسارية، ومؤسسات حقوق الانسان، واطلعنا على المستجدات والظروف في ظل الحصار القاتل، لكني اليوم سأتحدث عن لقاء بعينه، أمانة حُمّلتها وحان وقتها، من رجل رحل إلى جوار ربه شهيداً بإذن الله، بعد أن استطاع أن يترك بصماته في كل غزة دون استثناء، حتى أن من زار غزة من الأجانب لم يملكوا إلا أن يشيدوا بأمنها وأمانها، بل أن احداهن وهي المتضامنة البريطانية ايفون ريدلي طلبت من وزير خارجية بريطانيا أن يزور غزة ليتعلم كيف يكون الأمن.

 

انه اللقاء مع الوزير الشهيد سعيد صيام رحمه الله، والذي كان في ليلتنا الأخيرة في غزة، وتحديداً الجمعة 31/10/2008، وبطلب منه، وصحبة آخرين التقينا في مكتبه المتواضع، المكتب الذي كان عبارة عن منضدة عريضة وكرسي في ركن من أركان احدى غرف منزله المتواضع في مخيم الشاطيء، منزل كغيره من المنازل لا تعرفه حتى تصل اليه، دون حواجز أو 'دشم' أو تفتيش كما كان الأمر ابان 'جمهورية الأبوات في الفاكهاني'.

 

 كانت المرة الأولى التي نتحدث فيها، فقد كان رحمه الله من ضمن الحضور حين كرّم رئيس الوزراء اسماعيل هنية من جاءوا على متن القارب قبلها بيومين، اللقاء الأول دون اعداد أو تجهيز، جلسنا جميعنا على المقاعد المعدة للضيوفن لم يجلس ليلتها خلف مكتبه بل مع الضيوف في لفتة تواضع اشتهر بها.

 

 لم أذهب للقاء مجاملة، بل اعتبرت اللقاء فرصة لمعرفة وجهة نظر الرجل والمسؤول الأول عن أمن قطاع غزة، وكذلك لأوجه الملاحظات والانتقادات على ممارسات معينة تارة، واحتجاجاً على أداء معين تارة أخرى، وكان حديثاً ولقاءً مفتوحاً صريحاً، تحمل فيه رحمه الله الحضور وآرائهم، وأجاب دون تهرب وبتوثيق نادر.

 

سألت فيما سألت لماذا يدير الوزارة من بيته؟ فاجأني بأنه لم يعط مكتباً يوم اختياره وزيراً للداخلية ابان الحكومة العاشرة، فكان بيته مكتبه، واستمر على ذلك بعد فرض القانون في شهر يونيو/تموز من العام 2007، وهو ما فتح الباب لمناقشة قضايا أخرى، وطال الحديث كثيراً، ومررنا على موضوع ما كان يسمى المربع الأمني لعائلة حلس، ثم ما حدث لبعض أفراد عائلة دغمش، وغيرها، لكن الحديث الذي أخذ جل الوقت هو حول فترة 'الحسم' كما يسميها البعض، أو 'الانقلاب' كما يسميها البعض الآخر.

 

 بدون سابق انذار وقبل أن يدعونا الشهيد سعيد صيام رحمه الله لطعام العشاء في حديقة منزله المتواضع، أخرج مغلفاً أبيض اللون من القطع الكبير، لم يكن عليه أي كتابة من أي نوع، توجه نحوي وسلمني اياه، وقال أن هذا المغلف لك لتعرف كم حاولنا مع رام الله، وكم كابدنا لتفادي ما حدث، وكم حذرنا منه وبشكل رسمي وعلى أعلى المستويات، قال انت كتبت وتحدثت وسألت وانتقدت، انت اعلامي وكاتب، أحملك أمانة هذا المغلف!

 

يشهد الله سبحانه وتعالى أني لم أفتح أو اقرأ ما في المغلف لأيام طوال، لأنني كنت انتظر فرصة لاختلي بها مع نفسي لأقرأ بتمعن، وهو ما لم يكن ممكناً خلال برنامج الزيارة المكثف مع المشاركين والمتضامنين الآخرين في غزة، ولم يكن ممكناً أيضاً في قيرص التي غادرتها في ذات اليوم.

 

 

 

 قرأت ما فيه لاحقاً، لم أتفاجأ بمحتواه، كنا نعرف ونعلم من كان يخطط للانقلاب على الشرعية الفلسطينية، لكن المحتوى كان توثيقاً أضعه بين ايديكم للتاريخ، ولننصف رجلاً حاول بكل وسيلة وجهد، وحورب وجوبه بتآمر فلسطيني وبكل أسف، كان ما في المغلف عبارة عن مراسلات بين وزير الداخلية سعيد صيام ورئيس الوزراء اسماعيل هنية ورئيس السلطة محمود عبّاس، طلبات ومناشدات وتحذيرات، تفاصيل خطة الانقلاب على الحكومة العاشرة التي أرسلت لعبّاس، مطالب الفريق الانقلابي لتنفيذ انقلابه، وغيرها.

 

 اليوم ننشر ما تسلمناه في 31/10/2008، وما زالت حوارات القاهرة لم تحسم بعد، ونوجهه للمتحاورين في لجنة الأمن، لنحذر أنه بلا ضمانات وآليات واضحة، سيعيد التاريخ نفسه، وسيتكرر السيناريو، لكن هذه المرة دون وجود سعيد صيام رحمه الله، وستعربد الأجهزة المسماة بالأمنية من جديد، وسنشهد انقاسامات لا انقسام، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

 

 اقرأوا وتفحصوا واعلموا من كان المتآمر، ومن كان المنقلب، وان شئتم أمّنوا لهم وتحالفوا معهم، لكن بأقل الايمان وكما يقول المثل المصري الشهير 'حرّص ولا تخونش'.

 

  الشخوص لم تتغير، والأهم أن العقليات لم تتغيرن وما نسمعه مما يتسرب ويرشح من الحوارات يؤكد أن البعض لا زال يعيش في أوهامه، والبعض الآخر يصر على مكره وعنجهيته، بل وصل الأمر أن رفض البعض حتى تغيير أسماء الأجهزة الأمنية السيئة الصيت وأصروا عليها..........الحذار الحذاريمن تتحاورون في القاهرة.

 

كان هذا وباختصار شديد اللقاء الذي جمعنا مع الشهيد سعيد صيام، الذي حاز على أكثر أصوات الناخبين بالمطلق في انتخابات التشريعي الأخيرة، والذي قاد لجنة المصالحات لفترة طويلة قبل الانتخابات، صدق ربه فصدقه رحمه الله.

 

 نرفق لكم ما حُمّلنا من أمانة، ولا أقل من أن نعيد الحق لأصحابه، فننشر مع ما نرفقه نص ما نشرته صحيفة 'فلسطين' بتاريخ 29/01/2009 عن الوزير الشهيد الشيخ سعيد صيام رحمه الله وتقبله مع الشهداء والأنبياء.