لم تعد تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تقتصر على الخسائر العسكرية أو السياسية المباشرة، بل امتدت لتطال أحد أهم الملفات التي لطالما اعتبرتها إسرائيل ركيزة من ركائز أمنها القومي، وهو صورتها ومكانتها الدولية. فمع استمرار الحرب واتساع دائرة الانتقادات العالمية، تتزايد الأصوات داخل إسرائيل المحذرة من أن الدولة تواجه أزمة غير مسبوقة في شرعيتها الدولية، وأن حكومة بنيامين نتنياهو باتت عاجزة عن وقف التدهور المتسارع في نظرة العالم إليها.
وتكشف دراسات إسرائيلية وأمريكية حديثة عن حجم القلق داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلية، حيث لم تعد المخاوف تتركز فقط على نتائج الحرب الميدانية، وإنما على آثارها بعيدة المدى على العلاقات الدولية لإسرائيل ومستقبل الدعم الغربي لها.
أزمة تتجاوز ساحات القتال
في هذا السياق، أصدر "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي دراسة حملت عنوان "تدهور صورة إسرائيل بوصفه إضراراً بالأمن القومي"، تناولت ما وصفته بالفشل الإسرائيلي في مواجهة التحولات الجارية في الرأي العام العالمي منذ اندلاع الحرب على غزة.
وتقر الدراسة بأن الإنجازات العسكرية التي تتحدث عنها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تنعكس على مكانتها الخارجية، بل ترافقت مع تراجع كبير في مستويات التعاطف الدولي، وتزايد حملات المقاطعة السياسية والأكاديمية، واتساع الانتقادات الموجهة للسياسات الإسرائيلية في المحافل الدولية.
وترى الدراسة أن الأزمة لم تعد إعلامية فقط، بل تحولت إلى تحدٍّ استراتيجي قد يؤثر مستقبلاً على قدرة إسرائيل على الحفاظ على تحالفاتها التقليدية ومكانتها السياسية في العالم.
مؤشرات متزايدة على العزلة الدولية
وتشير الدراسة إلى مجموعة من المؤشرات التي تعكس حجم التراجع في صورة إسرائيل عالمياً، من بينها الملاحقات القضائية الدولية التي تستهدف مسؤولين إسرائيليين، واتساع نطاق المقاطعة الأكاديمية والثقافية، وارتفاع الأصوات المطالبة بفرض عقوبات أو قيود على التعامل مع إسرائيل بسبب الحرب في غزة.
كما تتحدث عن تنامي مشاعر القلق داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث باتت شرائح واسعة تشعر بأن إسرائيل فقدت جزءاً كبيراً من رصيدها الدولي الذي راكمته على مدار عقود.
وتحذر الدراسة من أن استمرار هذا الاتجاه قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي والاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى تأثيره على علاقة إسرائيل بالجاليات اليهودية في الخارج التي تجد نفسها أمام تحديات متزايدة في الدفاع عن السياسات الإسرائيلية.
انتقادات ضمنية لسياسات نتنياهو
ورغم أن الدراسة تحاول تحميل جزء كبير من المسؤولية لمنظومة الإعلام والدبلوماسية الإسرائيلية، فإن القراءة بين السطور تكشف انتقادات متزايدة لنهج حكومة بنيامين نتنياهو في إدارة الحرب.
ففي الوقت الذي يركز فيه اليمين الإسرائيلي على تحقيق أهداف عسكرية وأمنية، تتزايد التحذيرات من أن الثمن السياسي والدبلوماسي للحرب بات مرتفعاً للغاية، وأن صورة إسرائيل تعرضت لأضرار قد يصعب ترميمها في المستقبل القريب.
ويعكس هذا الجدل حالة الانقسام داخل الأوساط الإسرائيلية بين من يرى أن المشكلة تكمن في "فشل تسويق الرواية الإسرائيلية"، وبين من يعتبر أن السياسات الميدانية نفسها هي السبب الرئيسي في تراجع الدعم الدولي.
نتائج صادمة في استطلاعات الرأي العالمية
وتعزز نتائج استطلاع حديث أجراه معهد "بيو" الأمريكي هذه المخاوف، حيث أظهرت الدراسة تراجعاً واسعاً في صورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي.
وشمل الاستطلاع أكثر من 44 ألف شخص في 36 دولة، وأظهرت نتائجه أن نحو 67% من المشاركين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقابل 25% فقط لديهم انطباعات إيجابية.
وتعد هذه النسب من بين الأعلى في مستويات الانتقاد التي تواجهها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً أنها تشمل دولاً ترتبط معها بعلاقات وثيقة أو تعد من أبرز حلفائها التقليديين.
كما أظهرت النتائج ارتفاعاً في مستويات الانتقاد داخل 13 دولة مقارنة بالعام السابق، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وكوريا الجنوبية، وهي دول لطالما شكلت ركائز أساسية للدعم السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي.
أوروبا في مقدمة المنتقدين
وتكشف بيانات الاستطلاع أن القارة الأوروبية تشهد تحولات متسارعة في نظرتها تجاه إسرائيل.
ففي دول مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا، أعرب أكثر من نصف المشاركين عن آراء سلبية للغاية تجاه إسرائيل، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الحكومات الأوروبية والرأي العام في العديد من هذه الدول.
ويرى مراقبون أن مشاهد الدمار الواسع في قطاع غزة، والتغطية الإعلامية المستمرة للأزمة الإنسانية، لعبت دوراً محورياً في تشكيل هذه المواقف، خاصة لدى الأجيال الشابة التي باتت أكثر انخراطاً في القضايا الحقوقية والإنسانية.
تراجع الثقة بنتنياهو عالمياً
ولم يقتصر التراجع على صورة إسرائيل كدولة، بل امتد أيضاً إلى شخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
فبحسب استطلاع "بيو"، أعرب 65% من المشاركين عن عدم ثقتهم بنتنياهو أو امتلاكهم ثقة محدودة به، وهي نسبة ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالعام السابق.
وسجلت عدة دول أوروبية معدلات مرتفعة جداً من عدم الثقة، فيما جاءت إيطاليا في مقدمة الدول التي أبدى مواطنوها مواقف سلبية تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي.
أما في الولايات المتحدة، فقد أظهرت النتائج أن غالبية المشاركين لا يثقون بنتنياهو، رغم استمرار وجود مستويات أعلى نسبياً من الدعم لإسرائيل مقارنة بدول أخرى.
معركة الرواية أم أزمة السياسات؟
المفارقة اللافتة في النقاش الإسرائيلي الحالي أن جزءاً كبيراً من المؤسسات البحثية والأمنية لا يزال ينظر إلى الأزمة من زاوية إعلامية بالدرجة الأولى، معتبراً أن المشكلة تكمن في ضعف الأداء الدعائي الإسرائيلي وعدم القدرة على التأثير في الرأي العام العالمي.
لذلك تدعو الدراسات الإسرائيلية إلى إعادة بناء منظومة الدعاية الرسمية، وتطوير حملات إعلامية موجهة للجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الاستثمار في تدريب الناشطين والمؤثرين المؤيدين لإسرائيل في الخارج.
إلا أن منتقدين داخل إسرائيل وخارجها يرون أن الأزمة أعمق من مجرد مشكلة في الخطاب الإعلامي، وأن التراجع في صورة إسرائيل يرتبط بصورة مباشرة بالسياسات المتبعة خلال الحرب وما خلفته من تداعيات إنسانية واسعة.
تحدٍ استراتيجي للمستقبل
ومع استمرار الحرب وتعثر الجهود السياسية لإنهائها، تبدو إسرائيل أمام تحدٍ يتجاوز حدود المواجهة العسكرية. فالتقارير والدراسات الصادرة من داخلها تشير بوضوح إلى أن معركة الصورة والشرعية الدولية أصبحت جزءاً أساسياً من معادلات الصراع.
وبينما تسعى حكومة نتنياهو إلى الحفاظ على الدعم الغربي التقليدي، تكشف المؤشرات المتزايدة أن صورة إسرائيل تشهد واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود، في ظل تصاعد الانتقادات الدولية وتراجع الثقة بقيادتها السياسية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول قدرة تل أبيب على استعادة مكانتها السابقة في الرأي العام العالمي.


