في أواخر العام 2025م، نصب جيش الاحتلال الإسرائيلي في خضم حربه النازية على غزة، مكعبات خرسانية صفراء أعلى سواتر ترابية على امتداد قطاع غزة، من أقصى الشمال وحتى الحدود مع جمهورية مصر العربية.
في دعايته الإعلامية التي روّجها للعالم -كعادته- ذكر قادة الاحتلال أنها مجرد علامات لوجستية مؤقتة لتنظيم مراحل الانسحاب عقب اتفاق وقف إطلاق النار؛ هذا التعريف لتلك المكعبات سيكون كذلك لو كان من وضعها أي جهة غير "إسرائيل"، التي اعتاد المجتمع الدولي كذبها ودجلها دون أن يتحرك لوقفها عند حدّها.
مضت الأيام والأسابيع ثم الشهور، ليكتشف الغزّيون أنهم باتوا أمام خطوط جغرافية دموية رُسمت بالنار لتقسيم قطاع غزة، وتحويل الهدنة المفترضة إلى صيغة احتلال متجدد و"هادئ".
اليوم، يقف ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" كعلامة لا تخطئها العين على أكبر عملية قضم جغرافي وتطهير عرقي وديموغرافي صامت يشهده القطاع، بل إن ما يجري داخل وخارج الخط بات يهدد بانفجار شعبي عارم قد يطيح بكل التفاهمات الهشة، التي لم تلتزم "إسرائيل" بأي من استحقاقاتها تجاهها.
يتمدد "الخط الأصفر" كالأفعى ليشطر قطاع غزة من أقصى شماله في بيت حانون وبيت لاهيا، مروراً بشرق مدينة غزة ودير البلح، وصولاً إلى المناطق الشرقية لخان يونس ورفح، وليته يتوقف عند ذلك، بل بات يتمدد بشكل مستمر ناحية الغرب حتى وصل إلى شارع صلاح الدين في أكثر من نقطة.
ماذا يعني ذلك؟
هذا الخط لم يعد سراً عسكرياً؛ فقد قضم هذا الحزام الأمني ما يقرب من نصف مساحة القطاع في بداية الأمر، حتى وصل في آخر تمدد له ليستحوذ على حوالي 70% من المساحة الإجمالية لقطاع غزة.
يمكن اعتبار هذا الخط وفق العقل المنطقي مجرد إجراء احترازي، لكنه في التخطيط الإسرائيلي المتنصل من كل الاتفاقيات والمعاهدات يمثل إعادة ترسيم علنية لحدود القطاع، وهذا ليس تجنياً، بل أكده رئيس الأركان الإسرائيلي بوضوح صاعق حين صرّح بأن "الخط الأصفر هو الحدود الجديدة لقطاع غزة، وخط دفاع متقدم للمستوطنات وخط هجوم"؛ بكل وقاحة يعلن نسف الوعود الدولية بالانسحاب الكامل، ويمحو آمال آلاف العائلات بالعودة إلى أراضيها ومنازلها التي دمرتها آلة الحرب.
في الجانب الآخر وخلف هذا الخط، يعيش مئات آلاف النازحين مأساة إنسانية متجددة؛ فهم فضلاً عن حشرهم في أقل من ثلث مساحة القطاع، تحوَّل الخط الأصفر إلى مصيدة يومية لهم؛ فالقناصة المتمركزون خلف السواتر الترابية، وقذائف المدفعية الغادرة، وطائرات "الكواد كابتر" المسيرة التي لا تغادر السماء، تحصد أرواح المدنيين لمجرد محاولتهم الاقتراب أو تفقد ركام بيوتهم، ليس داخل منطقة الخط الأصفر فحسب، بل وفي موازاتها كذلك.
وفي مأساة أخرى يرسمها الخط الأصفر، تُنتَهج سياسة التغيير الديموغرافي الممنهج في أبشع صورها؛ حيث يُحرم السكّان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية الخصبة في الشرق، ويُجبرون على التكدس في شريط ساحلي ضيق يفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما يحوِّل غزة إلى سجن ديموغرافي خانق ومفرغ من عمقه الحيوي.
بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، كان يُفترض بالخط الأصفر أن يكون مرحلة أولى مؤقتة، يعقبها انسحاب أوسع لقوات الاحتلال نحو الحدود الدولية السابقة أو ما يُعرف بـ (الخط الأحمر)، تمهيداً لبدء انتشار القوات المشتركة واستكمال ملفات إعادة الإعمار وتبادل الأسرى.
لكن على الأرض، يعكس سلوك الاحتلال الإسرائيلي تنصلاً كاملاً من التزامات هذا الاتفاق مع الجانب الفلسطيني؛ فبدلاً من تفكيك المنظومات العسكرية، يعمد إلى تثبيت أجهزة استشعار ومراقبة متطورة، وبناء سواتر ترابية شاهقة، وتحويل نقاط المراقبة المؤقتة إلى ثكنات عسكرية ثابتة، مستغلاً غياب الضغط الحقيقي من الحلفاء والوسطاء لصناعة عوائق لوجستية وأمنية تمنع الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من الاتفاق.
أمام هذا التنصل الوقح من استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار، وصلت طاقة الاحتمال لدى الشارع الغزي إلى حافتها الأخيرة؛ فالناس الذين نجوا من أعتى آلات الدمار لن يقبلوا بالموت البطيء في كانتونات معزولة بينما تلتهم الجرافات الإسرائيلية أراضيهم خلف الستار الأصفر. بل إن المعطيات الميدانية وحالة الغليان الشعبي تُشير إلى سيناريو بات أقرب من أي وقت مضى: الانفجار البشري العارم بغض النظر عن النتائج المترتبة على ذلك.
إن استمرار الحصار، وتأخر الإعمار، ومنع عودة النازحين، سيقود حتماً إلى قرار شعبي جماعي باقتحام هذا الخط ومهاجمته. ولن يكون هذا التحرك مجرد احتجاج سلمي، بل زحف جماهيري واسع، مسنود بضربات ميدانية من المقاومة لكسر هذه البنية التحتية العازلة وفرض أمر واقع جديد؛ فغزة لم يعد لديها ما تخسره.
ختاماً، إن عقيدة غزة وسيكولوجيتها ليست كمثلها في العالم أجمع، وقد أثبتت وقائع التاريخ القديم والحديث بأن صبرها لا يمكن أن يكون بلا نهاية خشيةً من نتائج فعل قد تقوم به. إن التجربة تثبت مجدداً أن الحبر الذي تُكتب به الاتفاقيات لا يمكنه حماية حدود واهية أو شرعنة سرقة الأرض؛ فـ "الخط الأصفر" ليس حزاماً آمناً يحمي مستوطنات الاحتلال، بل هو حزام ناسف موقوت ينتظر لحظة الصفر الشعبية. ومكعبات الإسمنت وبنادق القناصة قد تؤجل الانفجار، لكنها لن تمنع أمواج البشر الزاحفة من استرداد حقها في الحياة أسوةً بباقي البشر في العالم. ولن يبقى هذا الخط إلا شاهداً على وهم صُنّاعه، ولن تفلح قوة وفاشية الاحتلال الإسرائيلي اليوم في ترسيمه إلى الأبد.


