الجمعة 15 مايو 2026 الساعة 07:10 م

مقالات وآراء

المرأة الفلسطينية والانتصار على النكبة

حجم الخط

ليست المرأة الفلسطينية تفصيلا على هامش الحكاية، ولا صورة تستدعى للتعاطف الموسمي، بل هي في جوهر القضية الفلسطينية وروحها الحية، وذاكرتها التي لا تموت، وضميرها الذي بقي يقظا رغم كل محاولات الاقتلاع والطمس.

وعندما نتحدث عن المرأة الفلسطينية فإننا لا نتحدث عن جنسية فحسب، بل عن موقف، وعن انتماء، وعن حالة إيمان وعمل وتضحية صنعت معنى فلسطين، وحفظته جيلا بعد جيل، وكم من نساء حول العالم قدمن لقضية فلسطين وضحين لأجلها، كما لو كن بنات المكان والجغرافيا وورثنا القضية، كابرا عن كابر، وليس آخرها ناشطات أساطيل كسر الحصار على غزة.

المرأة الفلسطينية ليست محدثة قضية ولا ثورة بل تستند إلى إرث عظيم من النساء اللواتي امتزجت أسماؤهن بالدم والتراب والجغرافيا، حتى غدت المرأة الفلسطينية مدرسة قائمة بذاتها في الصمود والنضال، يستشهد بها في أدبيات التحرر، والمقاومة حول العالم.

والباحث في تاريخ فلسطين لا يعجز عن العثور على أثر المرأة، لأن حضورها لم يكن عارضا، بل ثابتا في كل مرحلة من مراحل المحنة والمواجهة والبناء.

ولعل اللغة نفسها منحازة لهذه الحقيقة فنحن نقول: هي فلسطين، وهي القدس، وكأن التأنيث هنا ليس مجرد قاعدة لغوية، بل دلالة حضارية عميقة. ففلسطين في الوعي الجمعي أم وأخت وابنة وزوجة، والوطن رحم كبير تحفظه النساء بقدر ما تحفظه البنادق.

ولم يكن حضور المرأة الفلسطينية في التاريخ الوطني حضورا رمزيا فحسب، بل هو حضور واقعي فاعل، شاركت فيه بالفعل والتضحية وصناعة الوعي.

لقد فرضت النكبة وما تلاها تحولات كبرى على دور المرأة الفلسطينية وموقعها في المجتمع. فبعد أن فقد الفلسطيني كثيرا من مقومات الحياة، أصبح التعليم طوق النجاة والأمل بالمستقبل، فتقدمت المرأة الفلسطينية إلى ساحات العلم والمعرفة بقوة، مدركة أن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معركة الأرض.

كما أدرك المجتمع الفلسطيني، بفعل التجربة القاسية، أن كثيرا من الموروثات الاجتماعية التي نظرت إلى المرأة باعتبارها ضعيفة أو قليلة الحيلة كانت جزءا من أسباب الهزيمة والتراجع، فتبدلت النظرة التقليدية للمرأة، وخرجت من دائرة التبعية وعبء الحماية إلى دائرة الشراكة الكاملة في حمل القضية.

وتغيرت كذلك مفاهيم الحماية والشرف والإعالة. ففي بدايات النكبة خرج كثير من الفلسطينيين تحت شعار "العرض لا الأرض" ثم تعدل الشعار والنظرة، فالأرض نفسها عرض وكرامة، والتفريط بها تفريط بالهوية والوجود معا.

ولم تعد المرأة مجرد رمز للشرف يخشى عليه، بل أصبحت هي نفسها حامية البيت والهوية والأسرة، خاصة بعدما استشهد الرجال أو أسروا أو أبعدوا.

وانتقلت المرأة الفلسطينية من موقع الضحية إلى موقع المبادِرة، ومن حمل الأسى إلى صناعة الثبات. فلم يكن هناك وقت للبكاء الطويل ولا للانكسار، بل كان لا بد أن تقابل جنازات الشهداء بالزغاريد، لا قسوة ولا جفاء، وإنما مقاومة نفسية تحفظ المجتمع من السقوط الكامل.

لقد مارست المرأة الفلسطينية نضال نفسيا ومعنويا هائلا، أعاد تشكيل القناعات وأبقى جذوة الاستمرار مشتعلة.

وقد خلد الأديب إبراهيم نصر الله هذه المقاومة النفسية التي اجترحتها المرأة فذكر على لسان بطلته في رواية أعراس آمنة: "الذي يجبرنا على أن نزغرد في جنازات شهدائنا هو ذلك الذي قتلهم، نزغرد حتى لا نجعله يحس لحظة أنه هزمنا، وإن عشنا، سأذكِّرك أننا سنبكي كثيرا بعد أن نتحرر".

ثم تقدمت المرأة الفلسطينية إلى الصفوف الأولى للنضال: شهيدة وأسيرة ومناضلة وأم شهيد وزوجة أسير ولاجئة تحمل الوطن في قلبها أينما ارتحلت. ومع تراكم هذه التضحيات ترسخت قناعة راسخة لدى المجتمع الفلسطيني بأصالة دور المرأة ومحوريته في معركة التحرير والبقاء.

ولم يكن الوعي الديني بعيدا عن هذه التحولات، بل كان واحدا من روافعها الكبرى؛ إذ أعيد إحياء الفهم الصحيح للدين بعيدا عن شوائب العادات التي حبست المرأة في أدوار ضيقة. فأصبحت العبادة في فلسطين فعل صمود ورباط، وصارت المرأة ترى في وجودها الميداني، دفاعا عن الأرض والمقدسات والهوية.

ومن هنا نفهم أن المرابطات اللواتي أصبحن اليوم عنوانا للثبات في القدس والأقصى، لسن ظاهرة طارئة، بل امتدادا تاريخيا وروحيا لنساء عظيمات مررن بأرض فلسطين وأقمن فيها أعمدة الدين والرسالة من السيدة سارة زوجة إبراهيم عليه السلام، إلى مريم بنت عمران، إلى النساء اللواتي حملن رسالة العبادة والرباط جيلا بعد جيل.

وفي فلسطين، حتى الأمومة مختلفة. فالأمومة هناك ليست حالة فردية، بل هي مشروع مقاومة كامل و"بطن عسكري".

والإنجاب نفسه يتحول إلى فعل تحد وصمود في وجه محاولات الاقتلاع والإبادة. والأم الفلسطينية لا تربي أبناءها على الحياة الهانئة والوادعة ما دامت الأرض محتلة، بل على معنى الكرامة والحق والتمسك بالأرض مهما بلغت التضحيات.

ولعل صورة أم الشهيد وهي تحمل جثمان ابنها وتتقدم الجموع في جنازته تختصر هذه الحالة الفريدة؛ أم كانت تتمنى الحياة لولدها الذي حملته تسعة أشهر، لكنها حين ارتقى شهيدا قررت أن تهزم العدو بثباتها، وأن تقول للعالم إن المرأة الفلسطينية لا تجلس لتبتلع الحسرة، بل تصنع المعنى والثبات، فقدمت للعالم أيقونة "حاملة الجثمان"، وهو دور نادرا ما تقوم به النساء حول العالم.

أما المرأة اللاجئة، التي ظن المحتل أن المنافي ستنزع منها ذاكرتها، فقد كانت الخيبة الكبرى لمشروع الاقتلاع. فقد حملت معها المفتاح والكوشان والحكايات والثوب والتطريز واللهجة وطقوس الفرح والحزن، ونقلت كل ذلك إلى الأجيال الجديدة، ولم تغب فلسطين لأنها بقيت حاضرة في قلوب النساء وعقولهن يربين عليها أبناءهن كما يربى الإيمان في القلوب والعقول.

وكسرت المرأة الفلسطينية القوالب المعلبة فقدمت معنى آخر للجمال والأنوثة جمالا لا يقوم على المظاهر الزائفة، بل على القيم الكبرى من تضحية وصبر وكرامة. ففي وجوه الأسيرات، وفي مقدمتهن الأسيرة إسراء جعابيص، نرى صورة الإنسان الذي ربما شوهه الاحتلال جسدا لكنه زاده رفعة ومعنى في وجدان الأمة.

ومن يحاول شيطنة هذه الصورة أو تصوير المرأة الفلسطينية بوصفها عاشقة للموت، يتجاهل حقيقة واضحة: أن الفلسطينيين يحبون الحياة كما يحبها كل البشر، لكنهم شعب فرض عليه الموت والاقتلاع، فكان لا بد أن يقاوم. والمرأة الفلسطينية لم تحمل هذا العبء دفاعا عن ذاتها فقط، بل دفاعا عن وطن وأمة وحق تاريخي.

التاريخ والحاضر جاءا ليقولا إن نساء فلسطين كن من أعظم أسباب بقاء فلسطين حية في الوجدان والنضال والتضحية وما صمود نساء غزة في حرب الإبادة الأخيرة إلا تأكيد أن المرأة هزمت مشروع الصهاينة في اغتيال الإنسان الفلسطيني بعد احتلال أرضه، وبقيت عمودا أساسيا في مشروع المقاومة حتى التحرير.

وهكذا، فإن الانتصار الحقيقي على النكبة لم يكن مجرد بقاء الفلسطيني فوق أرضه، بل بقاء المعنى الفلسطيني حيا رغم كل محاولات الإلغاء، والمرأة الفلسطينية كانت، ولا تزال، من أعظم صناع هذا الانتصار.