كثيرًا ما مارس العدو الإسرائيلي ضغوطًا، وشنّ حروبًا إعلامية ودبلوماسية لتغيير المناهج الفلسطينية، كخطوةٍ أساسية لمسخ الجيل، وجعله لا يعلم من تاريخه وثقافته ودينه إلا ما ترضى عنه "إسرائيل" أو من وقف في صفها، عربًا كانوا أو مسلمين.
وقد فشلت وسائل الاحتلال، حتى وقت قريب، في تحقيق مآربها تلك، رغم تدميرها كامل المدارس والجامعات في غزة. غير أن ما يجري هذه الأيام داخل المراكز التعليمية –التي نشأت تحت لافتات من قبيل "إغاثة ودعم الشعب الفلسطيني للنهوض من واقع الحرب"– أشدُّ خطورةً مما كان يُراد إحداثه في الجيل.
فبعدما استهدفت جرائم "إسرائيل"، بصمت وتواطؤ دولي، قطاع التعليم بمدارسه وجامعاته، بل وحتى الوزارة المسؤولة عنه، "وزارة التربية والتعليم"، في مقتل؛ تقدّمت للقيام بمهمة التعليم عشراتُ المراكز والمؤسسات، من بينها "اليونسكو" والعديد من الجهات الأخرى، وبات التعليم ساحة استثمار للكثيرين، فلا معرفة دون مقابل، مع غضّ الطرف عن وضعٍ اقتصاديٍّ أسوأ مما يتخيله بشر.
وليس جعل التعليم بابًا للاكتناز هو الأكثر خطورة، بل إعادة هندسة عقول الجيل الغزي. والنماذج التي تدلّل على ما أقول أكثر مما يمكن حصره، لكن يمكن ذكر بعضها:
1- عاد إلى الواجهة مرةً أخرى أسلوبُ تعليم الإناث للذكور، وتعليم الذكور للإناث، وهو أسلوب كان قد توقف في غزة منذ سنوات، لما له من آثارٍ وتداعياتٍ سلبية ونفسية على كلا الجنسين، لا يتسع المقام لذكرها.
2- تمّ –وبصمتٍ شديد، تحت وقع انشغال الناس بالجوع واستمرار العدوان الإسرائيلي– إلغاءُ الكثير من المناهج؛ فمثلًا أصبحت التربية الإسلامية حصةً واحدةً أسبوعيًا فقط، أما الجغرافيا والتاريخ فقد باتتا غير موجودتين في المراحل الأساسية، وأصبحتا تقتصران على الصفوف التي تلي الصف العاشر فقط.
3- تم استبعاد مدرّسي التربية الإسلامية من تشكيلة المراكز والمؤسسات التعليمية الحالية، وأُسنِد تدريس هذه المادة إلى مدرّسي اللغة العربية، في صورةٍ أقرب إلى "تحصيل حاصل" ورفع عتب.
4- في كثيرٍ من المراكز التعليمية، أُنشئت حصص تحمل عنوان "الصحة النفسية"، وهو عنوان يبدو جميلًا، لكن الخطورة تكمن في المحتوى الذي يتم الترويج له؛ إذ تُشير بعض الشهادات إلى طرح أفكارٍ تدعو إلى التعايش مع القتلة والمجرمين الصهاينة. فقد قامت إحدى المعلّمات –بحسب ما نُقل– بالحديث إلى طلبة الصف العاشر، ودعتهم صراحة إلى ذلك، حتى احتدّ النقاش يومًا بينها وبين أحد الطلبة، فقالت للتدليل على موقفها: "أهلي يعيشون في تل أبيب منذ قبل الحرب بأمن وسلام مع الإسرائيليين، وبالإمكان أن نعيش جميعًا مثلهم".
وفي حصة أخرى، تناولت ما سمّته "حقوق الفتيات في المجتمع الفلسطيني"، فقالت للطلاب الذكور: "وماذا يعني أن تخبرك أختك أنها تريد ترك الحجاب؟ يجب التعامل معها بكل لطف، وأن تأخذ الموضوع ببساطة".
وفي دعوةٍ صريحة لتمرد الجيل على الأهل، استهجن الطلبة الذكور ما قالته معلمة في أحد المراكز: "أنا لا أقبل أن يضربني أبي، فلو ضربني لضربته".
الأرقام تؤكد أن نسبة المنخرطين في تلقي التعليم الأساسي أو الجامعي من أهالي غزة تتجاوز 40%، وهي نسبة كبيرة للغاية، تضع هذه الشريحة في دائرة الاستهداف من قبل الجهات المناوئة لغزة.
ورغم العدوان الذي تعرضت له غزة ولا تزال منذ سنوات، وما رافقه من هدمٍ وقتلٍ وتجويعٍ وحرمان، فإن ذلك لم يثنها، ولن ينجح، عن مواصلة مسيرة أبنائها التعليمية. فشعبنا صاحب علم وثقافة، تجعله في مقدمة شعوب العالم. غير أن ذلك يفرض على مؤسساتنا وهيئاتنا وفصائلنا مسؤولية متابعة ما يجري داخل أروقة هذه المراكز، والتحرك سريعًا قبل فوات الأوان.
فاليوم، ومع اعتماد شريحة واسعة من الطلبة على هذه المراكز كبديل شبه كامل للتعليم الرسمي، تصبح المسؤولية مضاعفة. ولم تعد المسألة تتعلق بسد فجوة تعليمية مؤقتة، بل بما يُزرع في وعي جيل كامل في لحظة مفصلية من تاريخه.
إن استمرار هذا الواقع دون رقابة وتقييم حقيقيين قد يفضي إلى نتائج تتجاوز خسارة عام دراسي أو ضعف التحصيل العلمي، لتصل إلى إحداث تشوهات عميقة في الوعي والهوية. ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط دعم هذه المراكز، بل مساءلتها أيضًا، وضمان التزامها بثوابت المجتمع واحتياجاته.


