يواجه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي ظروفًا قاسية وانتهاكات واسعة لحقوقهم الإنسانية، وذلك ضمن أنظمة طوارئ تسمح باعتقال تعسفي واحتجاز بلا محاكمة، مع استخدام واسع للتعذيب والمعاملة المهينة بمختلف أنواعها.
ويعاني الأسرى من اعتقال إداري بلا تهمة، وإجراءات قضائية غير عادلة، وهي التي تصاعدت بشكل غير مسبوق خلال حرب الإبادة ضد قطاع غزة، ما يتضمن احتجاز جثث الأسرى الشهداء في مقابر سرية "مقابر الأرقام". ومنذ النكبة الفلسطينية عام 1948، مرورًا بكل التغيرات الكبرى التي أثرت على القضية الفلسطينية، مرت قضية الأسرى بتقلبات كبرى أثرت على كيفية التعامل مع القضية، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود محطات تاريخية نضالية أبرزت قضية الأسرى الفلسطينيين.
وجاء في كتاب "معاناة الأسير الفلسطيني" للكاتب والباحث في شؤون الشرق الأوسط فراس أبو هلال: أن "السياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه الأسرى تهدف بالأساس إلى تحويل الأسير الفلسطيني من إنسان صاحب قضية وحق، إلى مجرد رقم في سجلات مصلحة السجون، مع العمل الدؤوب على تحطيم معنوياته وكسر إرادته عبر سلسلة طويلة من الإجراءات التنكيلية التي تبدأ من لحظة الاعتقال ولا تنتهي بالإفراج".
التعذيب وأنواعه
تكشف تقارير حقوقية إسرائيلية وفلسطينية عن مسار طويل من الجدل القانوني حول استخدام التعذيب وسوء المعاملة في تحقيقات جهاز الأمن العام "الشاباك"، بين محاولات تقنين ما يُعرف بـ"الضغط الجسدي" وادعاءات بوجود تواطؤ قانوني يمنح غطاءً لهذه الممارسات.
بحسب تقرير صادر عن مركز "بتسيلم"، ظلّ نشاط جهاز الشاباك حتى عام 1987 بعيدًا عن الرقابة العلنية، إلى أن كشفت لجنة التحقيق الحكومية المعروفة بـ"لجنة لاندو"، التي شُكّلت عقب قضية عزات نفسو، أن الجهاز ضلل القضاء الإسرائيلي لمدة 16 عامًا بشأن استخدامه التعذيب لانتزاع اعترافات.
وعزات نفسو هو ضابط شركسي سابق في جيش الاحتلال اشتهر بقضيته التي كشفت تورط جهاز "الشاباك" في تلفيق اتهامات باطلة بالتجسس ضده، حيث تعرّض لتعذيب شديد أدى إلى اعترافات كاذبة. أدت قضيته إلى تشكيل لجنة "لاندو" للتحقيق في ممارسات التعذيب. ورغم إدانة اللجنة لهذه الممارسات، فإنها أوصت بالسماح باستخدام "الضغط النفسي" و"درجة معتدلة من الضغط الجسدي" في التحقيقات بدعوى "دفاع الضرورة"، وهو ما اعتبره حقوقيون تأسيسًا لما وُصف بـ"بيروقراطية التعذيب"، حيث تُنسب المسؤولية إلى الجهاز كمؤسسة لا إلى المحققين أفرادًا.
في عام 1991، نشر مركز "بتسيلم" تقريرًا استند إلى 41 إفادة لأسرى فلسطينيين خضعوا لتحقيقات الشاباك خلال الانتفاضة الأولى، ووفق التقرير، اتبعت التحقيقات نمطًا متكررًا شمل: الحرمان المطوّل من النوم، الذي وصل في بعض الحالات إلى عشرة أيام. وتضمنت أساليب التعذيب تغطية الرأس بأكياس قماشية لساعات أو أيام، والاحتجاز في زنازين ضيقة ومعزولة، والتقييد في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، مثل وضعية "الشبح" (تكبيل اليدين فوق الرأس) أو ما يُعرف بـ"ربطة الموز".
ويشمل ذلك استخدام الضرب المبرح، ما أدى في بعض الحالات إلى فقدان الوعي أو إصابات استدعت علاجًا طبيًا، إضافة إلى التهديد بإيذاء المعتقل أو أفراد أسرته. وأشار التقرير إلى أن شدة هذه الأساليب لم تكن مرتبطة بخطورة التهم، كما لم تُسفر إفادات الأشخاص المشمولين عن إدانات تتعلق بـ"نشاط إرهابي عدائي"، ما أثار تساؤلات حول مبررات استخدام "الضغط الجسدي المعتدل".
كما لفت التقرير إلى أن الاعترافات المنتزعة تحت هذه الظروف كانت تُقبل في المحاكم العسكرية، في ظل صعوبة الطعن في قانونيتها، مع تمديد فترات العزل ومنع لقاء المحامين، وصلاحيات واسعة للشاباك دون رقابة خارجية فعالة.
في أيلول/ سبتمبر 1999، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بعدم وجود أساس قانوني يُجيز استخدام وسائل تحقيق جسدية، واعتبرت أساليب مثل التقييد المؤلم والحرمان من النوم غير قانونية، بحسب تقرير آخر لـ"بتسيلم". ورغم ذلك، أقرت المحكمة في الوقت ذاته بإمكانية إعفاء المحققين من المسؤولية الجنائية في حالات استثنائية استنادًا إلى "دفاع الضرورة".
القاضي أهارون باراك صاغ ما عُرف لاحقًا بمبدأ "القنبلة الموقوتة"، الذي يتيح، في حال "وجود خطر وشيك ومحدد"، استخدام وسائل عنيفة لمنع هجوم محتمل، بحسب تقرير لـ"المعهد الإسرائيلي للديمقراطية".
ويرى باحثون أن هذا الاستثناء فتح الباب أمام توسيع استخدام ما يُسمى "الوسائل الخاصة"، رغم أن القانون الدولي يحظر التعذيب دون أي استثناءات. أُقر عام 2002 "قانون جهاز الأمن العام" الذي نظّم عمل "الشاباك"، فيما أُدرجت صلاحيات تتعلق باستخدام القوة في إطار تشريعات "مكافحة الإرهاب"، وفق ما أورد موقع "واينت".
وأُنشئت آلية لفحص شكاوى التحقيقات تُعرف باسم "مراقب شكاوى تحقيقات الشاباك"، إلا أن صحيفة "هآرتس" أفادت بأنه منذ عام 2001 حتى 2017، قُدمت نحو 1200 شكوى تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة، دون أن تُفضي أي منها إلى لائحة اتهام.
في قرارات لاحقة، توسّع تفسير مبدأ "القنبلة الموقوتة"، بحيث لم يعد مشروطًا بخطر فوري ومحدد بدقة، وسمحت المحكمة باستخدام "وسائل خاصة" في التحقيق، ووصفتها بأنها إجراءات محظورة في الظروف العادية لكنها "لا ترقى إلى مستوى التعذيب".
وتشمل هذه الوسائل، بحسب تقارير صحفية وبحثية، الحرمان من النوم لفترات طويلة، واحتجاز المشتبه به في أوضاع جسدية مؤلمة مثل "ركعة الضفدع"، ويتطلب استخدامها موافقة قيادات عليا في "الشاباك"، مع إمكانية تنفيذها فورًا في الحالات العاجلة ثم طلب المصادقة بأثر رجعي.
وأكد أبو هلال في كتابه أنّ "عمليات التعذيب في أقبية التحقيق الإسرائيلية لا تستهدف انتزاع المعلومات فحسب، بل هي عملية سحق منظمة للكرامة الإنسانية، حيث يُستخدم الضغط الجسدي المعتدل كغطاء قانوني لتمزيق أجساد ونفوس الأسرى عبر وسائل تفنّن المحققون في ابتكارها، بدءًا من الحرمان من النوم وصولًا إلى الهز العنيف ووضعيات الشبح المؤلمة، في ظل تواطؤ كامل من المنظومة القضائية التي توفر الحصانة للمحققين".
التعذيب بعد 7 أكتوبر
أظهرت شهادات وثقتها جهات مختلفة تعرض الأسرى الفلسطينيين لانتهاكات وحشية وبشعة وغير إنسانية، عدّدها رئيس نادي الأسير الفلسطيني في الصعقات الكهربائية والتعرية والنهش من طرف الكلاب البوليسية وهم عراة، وقال إن أصعب ما تم توثيقه هو عمليات الاغتصاب التي مارسها السجانون وجنود الاحتلال بحق الأسرى، وهي جريمة ضد الإنسانية يُحاسب عليها القانون الدولي الإنساني.
وأكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني أنهم وثقوا شهادات أسرى حُرموا من النوم ومن العلاج وتعرضوا للضرب، وحتى قيادات الحركة الأسيرة وعلى رأسها مروان البرغوثي تتعرض لاعتداءات مباشرة من السجانين.
ووّثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إفادات جديدة لمعتقلين فلسطينيين أُفرج عنهم مؤخرًا من سجون ومعسكرات احتجاز إسرائيلية، تتضمن شهادات حول تعذيب جنسي ممنهج، شمل الاغتصاب، والتعرية القسرية، والتصوير أثناء التعذيب، والاعتداء بأدوات وباستخدام كلاب، إلى جانب الضرب والإذلال النفسي المتعمد.
وأكد المركز أن هذه الممارسات، وفق ما أورده، لا تمثل حوادث فردية، بل تندرج ضمن سياسة منظمة تُمارس بحق معتقلين من قطاع غزة، في ظل غياب الرقابة الدولية على أماكن الاحتجاز. وبحسب الشهادات التي جمعها محامو وباحثو المركز، تعرّض معتقلون مدنيون، بينهم نساء، لاعتداءات جنسية متكررة خلال فترات احتجازهم، إضافة إلى الحرمان من النوم، والتهديد بإيذاء أفراد العائلة، والاحتجاز في ظروف مهينة.
كما أفاد معتقلون بتعرضهم لاعتداءات بأدوات صلبة، وللاعتداء من قبل كلاب مدربة، فضلًا عن الضرب المبرح والصعق بالكهرباء، ما خلّف إصابات جسدية ونفسية جسيمة.
وأشار المركز إلى أن تقريرًا أصدره في أيار/ مايو 2025، استند إلى شهادات 100 معتقل أُفرج عنهم، خلص إلى أن أنماط المعاملة الموثقة ترقى إلى مستوى التعذيب وفق القانون الدولي، بل وتندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، من حيث إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير وفرض ظروف معيشية قاسية على مجموعة سكانية محددة.
ودعا المركز المجتمع الدولي، والدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب، إلى التحرك العاجل لوقف ما وصفه بسياسة التعذيب الممنهج والإخفاء القسري، مطالبًا بتمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول غير المقيّد إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج عن المعتقلين المحتجزين تعسفًا، وضمان توفير رعاية طبية ونفسية للضحايا.
كما حذّر من مخاطر إضافية تهدد المعتقلين، في ضوء تطورات تشريعية داخل إسرائيل تتعلق بعقوبة الإعدام، مؤكدًا ضرورة توفير حماية دولية فورية للمحتجزين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب.
قانون الإعدام
رغم حالات التعذيب وسياسة الإهمال الطبي والتعذيب الممنهج، اتجهت "إسرائيل" إلى تبني قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بشكل رسمي وعلني. صادقت الهيئة العامة للكنيست، في نهاية آذار/ مارس الماضي، بالقراءتين الثانية والثالثة، على قانون إعدام الأسرى، وذلك بتأييد من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو.
وبادرت إلى مشروع القانون عضو الكنيست ليمور سون هارميلخ، فيما قاده وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي طالما تفاخر بتعذيب الأسرى الفلسطينيين وتجويعهم وارتكاب انتهاكات وجرائم بحقّهم.
وتجاوزت اللجنة أكثر من 2000 تحفظ قُدمت على مشروع القانون خلال مداولاتها، قبل إقراره تمهيدًا للقراءتين الثانية والثالثة، بحسب ما جاء في بيان صدر عن الكنيست، في خطوة تعكس تسريع مسار التشريع رغم الجدل المثار حوله.
ويقضي القانون بفرض عقوبة الإعدام على من "يتسبب عمدًا بمقتل إنسان في إطار عمل يُصنف على أنه عمل إرهابي". كما ينص المشروع على عدم إمكانية منح عفو في مثل هذه الحالات، ما يعني تثبيت الحكم دون إمكانية تخفيفه أو تغييره بقرار سياسي أو قانوني لاحق.


