من آفات هذا العصر الذي تفشت فيه الأمراض الاجتماعية، أن المعارك لم تعد تُخاض حول الأفكار بقدر ما تُخاض حول الأشخاص، فيبدأ الأمر بنقاش حول قضية في مجال ما، سياسي، أو فكري، أو ثقافي، ثم يحدث الانزلاق السريع إلى مهاجمة النوايا والنيل من السمعة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الشخصنة.
الشخصنة ببساطة شديدة، هي القفز من نقد الفكرة إلى نقد صاحبها، فبدلا من مقارعة الحجة بالحجة، يعمد أحدهم إلى الطعن في نية الآخر أو أخلاقه أو خلفيته الثقافية أو ربما طريقة تعبيره وحديثه، فيتحول الحوار من ميدان بحث عن الحقيقة، إلى ساحة صراع.
مكمن الخطورة في الشخصنة، أن صاحبها يجد في نفسه مبررًا لها، إذ يظن أن تقييم الفكرة يستلزم تقييم صاحبها، وهذا الخلط خطأ فادح، فالفكرة ينبغي أن تُقيم بمعزل عن صاحبها، وإلا فتح الباب أمام الفوضى المعرفية.
تتضاعف هذه الإشكالية بسبب بعض العوامل الثقافية والاجتماعية، فالمجتمعات التي تقوى فيها فكرة التعصب بكل أشكاله قبلي ومذهبي ونحوه، فإن البيئة غالبا ما تقرأ الأفكار من خلال أصحابها، ويكون الانتماء أقوى من الحجة، والولاء فوق الحقيقة، فإذا كان المتحدث منهم يتم التسامح مع أخطائه وتبريرها، وإذا لم يكن منهم يتم رفض أفكاره جملة حتى قبل الاستماع إليه.
تفاقمت هذه الظاهرة في عصر الرقمنة، فوسائل التواصل الاجتماعي بطبيعتها السريعة والمختزلة تشجع على ردود فعل عاطفية تطغى على التفكير المتأني، فيكفي أن يبدي شخص ما رأيًا مغايرًا للمألوف، حتى تنهال التعليقات التي تهاجم شخصه ولا تناقش فكرته، وغالبا ما يتم استخدام الألفاظ الجارحة، واستدعاء مواقف سابقة، ويتم حمل كلماته على أسوأ المحامل.
يميل البعض إلى الشخصنة بسبب الخوف على القناعات السابقة، فيجد صاحب هذا المنحى في الأفكار المخالفة له تهديدا لقناعته، فيكون الأسهل لديه مهاجمة الشخص، فهذا لا يتطلب عمقًا تحليليًا، وإنما إطلاق حكم سريع.
وقد يلجأ البعض إلى الشخصنة والهجوم على الآخر دون نقد فكرته، لأنها تمنحه شعورًا زائفًا بالتفوق على خصمه، فيرى أنه بالصراخ والضجيج قد أسكت الخصم وكشف ضعفه، لكنه في حقيقة الأمر لم يتفوق، وإنما هرب من مواجهة الأفكار.
وقد يتجه إليها كإجراء دفاعي عن هويته الفكرية، فيلجأ إلى تقويض مصداقية الآخر بدلا من التعامل معه بالحجة خوفا من الاعتراف بأن هذا الطرف على حق أو لديه ما هو جدير بنقاشه.
هذه الظاهرة خطيرة إلى حد بعيد، فهي تغلق باب المعرفة، وذلك عندما ينحي أحد الطرفين أو كلاهما استعداده للاستماع والمراجعة، فتتحول ساحة الحوار إلى بيئة طاردة للعقول الجادة وتخسر الساحة فرصة تبادل الأفكار وتطويرها.
الشخصنة في الحوار تضعف الثقة في الخطاب العام، وذلك عندما تتحول باستمرار إلى صراعات شخصية، وتستبدل الحجج بالشعارات والتحليلات بالانفعالات، فحينئذ يفقد المتابعون إيمانهم بجدوى الحوار، ويستصحبون صدى هذا العبث في كل حوار يتابعونه ويتوقعونا نتيجته مسبقا.
مخاطر الشخصنة ليست بمعزل عن الإطار العام، فهي تعيق التقدم الفكري والاجتماعي، حيث إن المجتمعات التي لا تستطيع إدارة خلافاتها بشكل عقلاني بعيدًا عن الشخصنة، تكون عاجزة عن اتخاذ قرارات رشيدة في واقعها، وتبقى في حالة جمود فكري.
أول خطوة على طريق مواجهة هذه الآفة هي الوعي بها وبعدم جدواها، وإدراك أن مهاجمة الآخر لا تثبت خطأ أفكاره، كما أن الدفاع عن شخص لا يثبت صحة أفكاره.
وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والمحاضن التربوية والمنابر الإعلامية، في تعويد الناس التفكير النقدي، حتى يتم إعادة الاعتبار لقيمة الحجة وبناء النقاش على الأدلة والمنطق.
كما أن هذه المؤسسات منوط بها تعزيز فكرة الفصل بين الشخص والفكرة، فقد تختلف مع الشخص مع الاعتراف بما صح لديه من نقاط ومسائل، وهذه علامة نضج فكري وليست ضعفا.
وإننا بهذا الصدد نحتاج إلى أن يقدم المثقفون والنخب نموذجا للحوار البناء القائم على الحجة ومناقشة الفكرة، لترى الجماهير أن الحوار ليس ساحة معركة، وإنما عملية بحث مشتركة للوصول إلى الحقيقة، لكن الملاحظ أن البرامج والنقاشات التي تتم على الهواء بعيدة عن هذا المنحى، لذلك لن يقدم هذا النموذج سوى شخصيات تستشعر المسؤولية، ولن تعدم الأمة أمثالهم حتمًا.

