تُظهر معطيات وتحليلات حديثة تصاعدًا في المحاولات الإسرائيلية لتثبيت ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، بوصفه خط فصل ميداني يتحول تدريجيًا إلى واقع حدودي فعلي، في ظل تمركز عسكري متزايد وبناء بنى تحتية ومواقع دائمة، بما يترك أكثر من نصف مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، من دون وجود آلية واضحة للانسحاب منه.
وبحسب ما أوردته صحيفة "هآرتس"، اليوم الخميس، استنادًا إلى تحليل صور أقمار اصطناعية ومصادر أمنية، فإن الجيش الإسرائيلي كثّف في الأشهر الأخيرة من تمركزه على طول هذا الخط، عبر إنشاء مواقع عسكرية جديدة، وتنفيذ أعمال بنية تحتية واسعة، ونقل معدات وتجهيزات إليها، إلى جانب تنفيذ مشروع هندسي واسع يتمثل بإقامة حواجز ترابية تمتد على عشرات الكيلومترات، في خطوة تعزز الطابع الدائم لهذا الخط الحدودي.
وتشير المعطيات إلى أن هذا الخط، الذي أعلن عنه عقب وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، يضع نحو 54% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، فيما تواصل القوات توسيع هذا النطاق فعليًا عبر تجاوز الخط المعلن، من خلال وضع كتل إسمنتية، وهدم مبانٍ، وتهجير سكان من مناطق إضافية.
وبذلك، يعيش نحو 2.1 مليون فلسطيني في أقل من نصف المساحة التي كانوا يقيمون فيها قبل الحرب على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وسط ظروف إنسانية قاسية، حيث يقطن مئات الآلاف في خيام أو مبانٍ مدمرة، وتقليص حجم المساعدات التي تصل إلى القطاع في ظل الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية المتواصلة تحت غطاء الحرب على إيران والتصعيد الإقليمي.
وفي هذا السياق، كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قد أعلن قبل ثلاثة أشهر، أن "الخط الأصفر هو خط الحدود الجديد"، معتبرًا إياه "خط دفاع أمامي وخط هجوم"، وهو ما انعكس ميدانيًا عبر إقامة سبعة مواقع عسكرية جديدة منذ إعلان وقف إطلاق النار، جرى تجهيز بعضها بطبقات إسفلت وبنى تحتية تسمح بتمركز طويل الأمد.
وتظهر صور الأقمار الاصطناعية أن الجيش يتمركز في عشرات النقاط داخل القطاع، مع وجود ما لا يقل عن 32 موقعًا عسكريًا، بعضها قريب من الخط الأصفر، وأخرى تقع داخل مناطق أعمق باتجاه مناطق الـ48، وقد جرى تزويد العديد منها بشبكات كهرباء وإنارة وأبراج اتصالات ومعدات هندسية.
كما أقيمت مواقع في نقاط مرتفعة وإستراتيجية، بينها تلال ومناطق في جباليا وبيت حانون، إضافة إلى مواقع محيطة بمبانٍ قائمة، من بينها مستشفى حمد بن جاسم في رفح. وتنتشر هذه المواقع في مناطق كانت تضم سابقًا مزارع وأراضي زراعية ومبانٍ سكنية، بل وأُقيم بعضها فوق أنقاض مساجد ومقابر دُمّرت خلال الحرب، في حين تتواصل أعمال تجريف في مناطق أخرى، بينها حي الشجاعية، حيث كانت توجد مقابر دمرتها إسرائيل في إطار حرب الإبادة.
وفي موازاة ذلك، يشير تحليل الصور إلى تقدم في إقامة حواجز ترابية بطول يزيد عن 17 كيلومترًا، أي نحو 40% من طول الخط البالغ 45 كيلومترًا، مع استمرار العمل على توسيع هذه الحواجز خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر إضافي على ترسيخ الخط كواقع ميداني دائم.
وتفيد معطيات الأمم المتحدة، حتى نهاية شباط/ فبراير، بمقتل ما لا يقل عن 224 فلسطينيًا قرب هذا الخط أو شرقه، بما في ذلك نساء وأطفال. واعتبرت الأمم المتحدة أن هناك "نمطًا متكررًا" من استهداف الفلسطينيين لمجرد اقترابهم من مواقع انتشار الجيش، وهو ما قد يرقى إلى "جريمة حرب". كما أشارت تقارير إلى أن بعض الضحايا قُتلوا أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم، في ظل عدم وضوح مسار الخط على الأرض وتغيره المستمر.
وفي هذا السياق، دأب الجيش الإسرائيلي على إصدار بيانات متكررة تشير إلى "رصد مسلحين تجاوزوا الخط واقتربوا من القوات"، دون تقديم تفاصيل، فيما نادرًا ما يتم تحديد هوية المستهدفين أو انتمائهم، حيث ذُكر في حالات قليلة فقط أنهم ينتمون إلى حماس أو الجهاد الإسلامي، وفي معظم الحالات، يتم استهداف مدنيين يحاولون التنقل في القطاع.
من جهتها، قالت منظمة "أطباء بلا حدود" إنها عالجت عددًا كبيرًا من المصابين في محيط هذا الخط خلال الأشهر الأخيرة، مشيرة إلى أن العديد منهم كانوا يمارسون أنشطة حياتية يومية، مثل البحث عن الماء أو الحطب، أو محاولة العودة إلى منازلهم. وأضافت أن تحرك الخط نحو الغرب أدى إلى إدخال مرافق حيوية، مثل نقاط المياه والخدمات الصحية، ضمن مناطق خطرة، ما حرم السكان من الوصول إلى خدمات أساسية.
وتشير المعطيات إلى أنه منذ إعلان وقف إطلاق النار، استشهد نحو 691 فلسطينيًا في أنحاء القطاع وأصيب أكثر من 1,876 شخصا في هجمات نفذها جيش الاحتلال، بحسب وزارة الصحة في غزة، فيما قُتل خمسة جنود إسرائيليين خلال الفترة ذاتها في مواجهات داخل القطاع.
في المقابل، لا يوجد مؤشرات على تنفيذ الخطة الأميركية التي طُرحت قبل أشهر لإنهاء الحرب، والتي تضمنت إقامة قوة استقرار دولية لإدارة الأمن داخل القطاع، إذ لم تتشكل هذه القوة بعد، فيما أعلنت إندونيسيا، التي كان يُفترض أن تساهم فيها، تجميد مشاركتها بسبب الحرب على إيران. كما تراجع الزخم السياسي للخطة في ظل انشغال واشنطن وتل أبيب بالحرب.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن الولايات المتحدة ودولًا وسيطة قدمت مؤخرًا مقترحًا لحماس يتضمن نزعًا تدريجيًا لسلاحها على مدى أشهر، في حين تشير التقديرات إلى أن الحركة استغلت الفترة الأخيرة لتعزيز سيطرتها على الأرض، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي تمركزه العميق داخل القطاع.
وفي تعقيبه، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته "منتشرة في منطقة الخط الأصفر وفق اتفاق وقف إطلاق النار وتعليمات المستوى السياسي"، مشيرًا إلى أن منظومة الدفاع في المنطقة تشمل "حواجز مادية، وقدرات استخباراتية، ووسائل تكنولوجية، ونشاطًا عملياتيًا"، بهدف "منع التسلل وحماية القوات والمستوطنات".
وأضاف أن المنطقة المحيطة بالخط "تُعد بيئة عملياتية خطرة"، وأنه تم نصب لافتات تحذر من الاقتراب منها، مدعيا أنه "لا يستهدف المدنيين بسبب قربهم من الخط"، وأنه يعمل وفق قواعد اشتباك محددة تتضمن إجراءات تحذير، ويستهدف فقط "تهديدات فورية"، وفق تعبيره.


