الأربعاء 25 مارس 2026 الساعة 08:36 م

مقالات وآراء

ساعة الفراق تدق ولبنان يدير ظهره لإيران

حجم الخط

فجّر قرار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، سحب اعتماد السفير الإيراني في لبنان، واعتباره شخصا "غير مرغوب فيه"، واستدعاء السفير اللبناني من طهران، أزمتين متلازمتين: واحدة داخلية، بين الدولة والمكون الشيعي بمرجعياته الدينية والسياسية، وتحديدا مع حركة أمل وحزب الله.. وثانية خارجية، أضفت مزيدا من التوتر على العلاقات الثنائية، المتأزمة أصلا، بين طهران وبيروت.

الإجراء اللبناني الرسمي، يتوج مسارا في السياستين الداخلية والخارجية، تصعيديا وتصاعديا، درجت عليه الحكومة والرئاسة الأولى منذ عدة أشهر، بدأ باعتماد خطة "حصرية السلاح"، وتكليف الجيش تنفيذها بدءا من جنوب الليطاني، وتطور بحظر الجهازين العسكري والأمني لحزب الله، وصولا إلى إعلان البراءة من قرار الحزب الانخراط في جبهة إسناد ثانية، لإيران هذه المرة، وثأرا لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، كما تقول مصادر الحكومة ومناوئو الحزب.

أما على الصعيد الخارجي، فلم تتردد حكومة الدكتور نواف سلام ووزير خارجيته، في إصدار بيانات الإدانة والتنديد، بما اعتبرته اعتداءات إيرانية غادرة على دول الخليج الشقيقة، والمساس بأمنها الوطني والأمن القومي العربي، الأمر الذي وسع الشقة مع طهران، وعمق الشقاق مع الثنائي الشيعي.

وإذ عدد بيان الخارجية اللبنانية، وما أعقبه من تسريبات وتوضيحات، الأسباب التي حدت بها لاتخاذ قرارها غير المسبوق، وأوردت شواهد استندت إليها للإقدام على هذه الخطوة "الشجاعة" وفقا لتوصيف وزير الخارجية الفرنسي، فإن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرافعة، هو الإشارة إلى البيانات التي كان يصدرها الحرس الثوري الإيراني، ويعلن فيها عن تنفيذ "عمليات مشتركة" مع حزب الله ضد إسرائيل، تزامنا مع استهداف سلاح الجو الإسرائيلي، عناصر وقيادات من هذا الحرس في بيروت وفقا للرواية الرسمية اللبنانية، بينما تصف إيران ذات الأشخاص، في روايتها، بـ"دبلوماسيين" يحظون بإقامة مشروعة بصفتهم هذه.

"تلازم المسارين" أم انفصالهما؟

والحقيقة أن المراقبين حاروا في فهم سر البيانات غير المسبوقة التي أعلن فيها الحرس الثوري عن تنفيذه عمليات مشتركة ضد إسرائيل، فمثل هذا الأمر، لم يحدث في أي من الحروب والمعارك الممتدة على مساحة زمنية تزيد عن ربع قرن.

ولقد فهمنا فيما بعد، أن المشاورات بين الضاحية الجنوبية وطهران، كانت أسفرت عن تفاهم حول "تلازم مساري الحرب والسلام" بين لبنان وإيران، نقاتل معا ونفاوض معا، وأن الحل الدبلوماسي على جبهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لن يكون ممكنا من دون أن يستبطن حلا مماثلا ومرضيا على جبهة الحرب الإسرائيلية على لبنان.

ولعلها من وجهة نظر هؤلاء المراقبين، "الضمانة" التي قدمتها إيران للحزب، قبل أن يضغط على الزناد في أول عملية إطلاق للصواريخ منذ اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.. ضمانة بألا يُترك وحيدا، حال لاحت في أفق الوساطات والمشاورات، إرهاصات حل دبلوماسي لأزمة طهران مع واشنطن، وتل أبيب.

وهي الضمانة التي عدها الحزب، بمثابة "إسناد إيراني للبنان"، تسهم في تمكين الحزب من استعادة قدر من التوازن على جبهتي الصراع مع خصوم الداخل، وأعداء الخارج: إسرائيل، بعد اهتزازات ثقيلة كان أصيب بها في إثر حرب الأيام الـ66 التي انتهت باتفاق لم تحترمه إسرائيل ليوم واحد.

تاريخيا، سعت إيران لحصر مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، والغرب عموما، في ملف واحد: برنامجها النووي، ورفضت كافة الضغوط والمحاولات الرامية لإدراج قضية "الوكلاء" و"الأذرع" على جداول أعمالها.

اليوم، يبدو المشهد مغايرا تماما: إيران هي من تطلب إدراج ملفات "المحور" على موائد البحث، وبالأخص حزب الله، فيما يشبه الاستعادة لنظرية "تلازم المسارين" السوري واللبناني، التي خبرها اللبنانيون زمن الهيمنة السورية على بلادهم وقرارهم، طيلة سنوات التفاوض العربي-الإسرائيلي، وما أُسمي بـ"عملية السلام".

من وجهة نظر حزب الله، يُعد "تلازم المسارين" تطويرا وتعميقا، لمفهوم "وحدة الساحات" الذي خضع لاختبار قاسٍ خلال حرب السنتين على غزة ومقاومتها وأهلها، لكنّ مناوئي الحزب وخصومه، يرون أنه سيضيف أعباء على لبنان بدل أن يرفعها عنه، وسط تقديرات سائدة، بأن إيران لن تكون قادرة على الوفاء بمقتضيات "التلازم" ومندرجاته، في ظل إدارة تسعى لفرض هيمنة أمريكية على العالم برمته، وحكومة إسرائيلية اختارت "التوحش" أداة لفرض "السلام بالقوة" على جوارها القريب والبعيد.

إن فكرة تلازم المسارين الإيراني واللبناني تحمل في أحشائها، مشروعا "انتحاريا" حال أخفقت الدبلوماسية والمساعي الحميدة في الوصول إلى نهايات سعيدة، وعادت الأطراف إلى "لعبة الحسم" و"الخيارات الصفرية"

يراهن مؤيدو نظرية "تلازم المسارين" على أن طهران، ستتخذ من البند المتعلق بوقف دعمها للوكلاء والأذرع، في مبادرة إدارة ترمب ذات البنود الخمسة عشر، مدخلا لطرح وجهة نظرها حول الحلول الممكنة والمرغوبة في دول الأزمات المفتوحة، من لبنان إلى العراق مرورا باليمن، من ضمن سردية تسعى في تسويق وتسويغ حل شامل ونهائي لأزمات المنطقة، أُخرجت منه، قضية غزة وفلسطين، التي بدا واضحا أنها كانت مطروحة لـ"التحييد"، أقله في المواجهة الراهنة.

بيد أن مناهضي هذه النظرية، يرون أن الهدف من إدراج هذا البند في مبادرة ترمب، إنما يتمثل في إضعاف الدور الإقليمي لطهران، وليس تقويته وتعزيزه، بإشراكها في مسارات البحث عن حلول لأزمات هذه الدول.

كما أن واشنطن لن تتعامل مع إيران بوصفها جزءا من الحل بعد أن ظلت تنظر إليها كجزء من المشكلة، ما لم ترفع الراية البيضاء، وتنتقل من العداء لـ"الشيطان الأكبر" إلى صداقته، وهو سيناريو مستبعد إلى حد كبير.

المحذرّون من مخاطر نظرية "تلازم المسارين"، يرون أن شقة الخلاف بين طهران وكل من تل أبيب وواشنطن، واسعة جدا، وأن فرص تجسيرها تبدو ضعيفة للغاية، وتحديدا في الملفات الثنائية من نوع: البرنامج النووي، مصير اليورانيوم المخصب، تفكيك المنشآت النووية الثلاث، البرنامج الصاروخي، وأن إدخال لبنان على مسار التفاوض الأمريكي-الإيراني، سيعقد هذه المفاوضات من جهة، وسيقضي على أي فرصة للبنان للوصول إلى اتفاقه الخاص مع إسرائيل من جهة ثانية.

بل إن بعضهم يذهب للقول إن فكرة التلازم تحمل في أحشائها، مشروعا "انتحاريا" حال أخفقت الدبلوماسية والمساعي الحميدة في الوصول إلى نهايات سعيدة، وعادت الأطراف إلى "لعبة الحسم" و"الخيارات الصفرية".

هي "مجازفة" يخوضها الحزب، ويدفع إليها بكامل ثقله، وسيواصلها حتى "الرصاصة الأخيرة في جعبته"، فالحزب الذي تراجعت مكانته وهيبته بعد الحرب وفي ضوء نتائجها، وفقد "الشريان-التاجي السوري" بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، يدرك تمام الإدراك، أن لا مستقبل له ولا وجود، إن خسرت إيران جولتها مع واشنطن وتل أبيب، في الحرب أو على موائد التفاوض، وأن بداية نهايته ستكون باستجابته لنداءات التحول إلى مجرد "حزب سياسي"، وهو الذي نشأ على فكرة "المقاومة" و"السلاح"، حتى باتت بصمته الجينية أو الـ"DNA" الخاص به.. هي معركة وجوده، تماما مثلما هي حرب وجودية بالنسبة لطهران.

أين من هنا؟

نحن لا نعرف كيف ستنتهي "أزمة السفير"، وهل سيستجيب محمد رضا الشيباني لقرار الخارجية، أم سيصدع لنداءات أركان الطائفة الشيعية ومرجعياتها السياسية والروحية بعدم الامتثال؟، هل ستتمسك الدولة اللبنانية بقرارها، أم إن التفسيرات اللاحقة التي صدرت عن الخارجية، بنفي نيتها قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، هي بداية تراجع وبحث عن "حلول وسط"، في بلد اعتادت "ديمقراطيته التوافقية" على اجتراح التسويات والهدنات؟

بيد أنه بات من الواضح للقاصي والداني، أن الحرب على لبنان، قد قسمت اللبنانيين، المنقسمين أصلا على أنفسهم، كما لم يحدث منذ سنوات طوال، وأن التوحش الإسرائيلي لا يُبقي للحزب أي خيارات أخرى، سوى خوض الحرب حتى خواتيمها، وأن نهم تل أبيب وتعنتها، لا يساعدان خصوم الحزب، ولا الدولة اللبنانية، على تقديم بدائل وخيارات أخرى، يمكن تسويقها والبرهنة على جديتها وجدواها.

ترحيب جدعون ساعر وغيره من قادة تل أبيب بالقرار اللبناني، لم يمنع إسرائيل، ومن خلفها واشنطن، من المطالبة بالمزيد، وتحريض الدولة اللبنانية على اتخاذ خطوات "عملية وكبيرة" ضد الحزب، في الوقت الذي لا تُخفي فيه إسرائيل نيتها احتلال جنوب الليطاني، وتقطيع أوصاله، وتفريغه من سكانه، وفصله عن بقية لبنان.

وذلك في الوقت الذي تبلغ فيه العربدة الإسرائيلية، حدودا غير مسبوقة في استهداف بيئة حزب الله والبيئات الأخرى الحاضنة للنازحين قسرا عن بلداتهم ومدنهم وقراهم، وفي الوقت الذي تترك فيه واشنطن لإسرائيل، أمر تقرير سياساتها ومصالحها في لبنان، و"تتفهم" فكرة الاحتفاظ بمنطقة أمنية عازلة في جنوب الليطاني، وتحث الحكومة اللبنانية على قبول "التفاوض تحت النار"، ولا تني تلوم الدولة على "عجزها" و"تقصيرها" من دون أي اكتراث بالشرط اللبناني الخاص، وخطر الانزلاق إلى الفتنة وإغواء حرب أهلية متجددة.

والراجح، وفقا لقراءات كثرة من المراقبين، أن نظرية "تلازم المسارين" يمكن أن تفعل فعلها في الحرب والميدان، وهذا يحدث الآن، ويتكشف عن أعلى درجات التنسيق بين الطرفين، لكن من غير المرجح أن يظل الحال كذلك، حين تهدأ المدافع والصواريخ، وينتقل الخصوم إلى موائد التفاوض.

من المشكوك فيه أولا، أن تقبل تل أبيب بوقف الحرب على لبنان حتى بعد انتهاء المعارك مع إيران، وهي تعلن ذلك جهارا نهارا على أية حال، ومن المشكوك فيه ثانيا، أن تعمد واشنطن إلى الضغط على تل أبيب في لبنان، بعد أن تكون قد ضغطت عليها لوقف الحرب على إيران حال التوصل لاتفاق، ومن المشكوك فيها ثالثا: أن تقامر إيران بأمنها واستقرارها ومصالحها العليا على مذبح "تلازم المسارين"، حال وجدت أن الوقت قد أزف لوقف الحرب والجنوح للدبلوماسية.