رغم اتساع رقعة الحرب في الإقليم وبلوغها مستوى غير مسبوق من حيث الجغرافيا وتعدد الأطراف، فإن المؤشرات السياسية خلال الأيام الأخيرة تكشف عن مسار موازٍ لا يقل خطورة: إعادة فتح ملف غزة، ولكن وفق قواعد جديدة تُبنى على وقع الحرب على إيران، وليس على استحقاقات الاتفاقات السابقة.
اللافت أن المقاربة الجديدة لا تنطلق من تثبيت وقف إطلاق النار أو معالجة الكارثة الإنسانية، بل من نقطة مركزية واحدة: نزع سلاح المقاومة كمدخل إلزامي لأي ترتيبات لاحقة.
وفي هذا السياق، برز دور نيكولاي ملادينوف، الذي يتصرف فعليًا كمسؤول عن إدارة المرحلة القادمة في غزة، عبر طرح ورقة زمنية لنزع السلاح، بصيغة تهديد دون تقديم ضمانات واضحة تتعلق بالانسحاب أو الإعمار أو حتى وقف العمليات الإسرائيلية، بما في ذلك استخدام أدوات داخلية لزعزعة الاستقرار في القطاع.
المعطيات التي كشفتها ايضا صحيفة الشرق الأوسط تعزز هذا الاتجاه؛ إذ تؤكد مصادر من حركة حماس أن المقترح المطروح “بدا كرسالة تهديد” أكثر منه مبادرة تفاوضية، خصوصًا أنه ينص على تسليم كامل وشامل لكل أنواع السلاح داخل غزة، بما في ذلك السلاح الشخصي، ويربط بشكل مباشر بين إعادة إعمار القطاع وتغيير شكل الحكم فيه وبين الاستجابة لهذا الشرط.
كما تشير التقديرات داخل الفصائل إلى رفض واسع لربط الإعمار بنزع السلاح، مع التأكيد على الالتزام بالاتفاقات السابقة، والدعوة للانتقال إلى مراحلها التالية قبل فتح هذا الملف.
هذا التحول يعكس منطقًا سياسيًا واضحًا: محاولة استثمار الزخم العسكري في إيران لتحقيق مكسب سياسي في غزة، حتى في ظل غياب إنجاز حاسم في ساحات أخرى كطهران أو بيروت.
لكن الإشكالية الجوهرية في هذه المقاربة تتجلى في ثلاثة اختلالات رئيسية:
1. فقدان التوازن التفاوضي:
يتم طرح نزع السلاح كشرط مسبق، دون التزام إسرائيلي بتنفيذ الاستحقاقات السابقة أو تقديم ضمانات مستقبلية، ما يفرغ أي مسار تفاوضي من مضمونه.
2. إعادة تعريف “اليوم التالي”:
ربط استلام الإدارة التكنوقراطية لمهامها بمسار نزع السلاح، وهو تغيير جوهري عن الطرح السابق الذي كان يفصل بين المسار الإنساني والسياسي.
3. استخدام الحرب كأداة ضغط سياسي:
توظيف التصعيد الإقليمي لفرض وقائع جديدة على الفلسطينيين، عبر الضغط الزمني والسياسي، ومحاولة انتزاع موافقة مسبقة على شروط لم تُحسم ميدانيًا.
وفق هذا المشهد، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن تمرير هذه الشروط؟
بل: هل تسمح البيئة الميدانية والسياسية بفرض “استسلام سياسي” تحت غطاء حرب لم تُحسم بعد؟
باختصار:
• فرص نجاح هذا المسار محدودة في ظل غياب الضمانات وفقدان الثقة.
• الفصائل تميل إلى رفض المقاربة الحالية أو إعادة التفاوض عليها.
• الاحتمال الأرجح هو مرحلة شد وجذب، مع استمرار الضغط العسكري والسياسي بالتوازي


