في السياسة، نادراً ما تتطور الأزمات أو الفضائح في خط مستقيم، فعندما تظهر قضية قد تُلحق ضرراً سياسياً، غالباً ما يتبع الرد تسلسلاً مألوفاً: يبدأ بالإنكار أو التباعد، ثم التقليل من أهمية القضية، ثم مهاجمة المنتقدين، ثم التحكم في تدفق المعلومات، وأخيراً تحويل مسار النقاش العام تدريجياً إلى موضوعات أخرى.
يرى منتقدو دونالد ترامب أن هذا النمط يمكن ملاحظته في طريقة التعامل مع تجدد التدقيق حول ملفات جيفري إبستين، فالقضية التي بدأت بأسئلة حول علاقات سابقة وإطلاق وثائق تحولت، بحسب هؤلاء المنتقدين، إلى سردية سياسية أوسع اتسمت بالمراوغة والمواجهة، وصولاً في النهاية إلى انتقال الاهتمام نحو تصاعد التوتر مع إيران.
وسواء اتفق المرء مع هذا التفسير أم لا، فإن هذا التسلسل الذي يصفه المنتقدون يعكس نقاشاً أوسع حول كيفية إدارة الأزمات السياسية في العصر الحديث - ومدى سرعة انتقال مركز الاهتمام العام من فضيحة داخلية إلى صراع خارجي.
إن طريقة التعامل مع تجدد الاهتمام بملفات جيفري إبستين تعكس ما يشبه «دليل إدارة الأزمات السياسية»، وبينما يرفض مؤيدو ترامب هذا التفسير، يصف بعض المعلقين المتشككين تسلسلاً من ردود الفعل يرون أنه يشبه أنماطاً استخدمها قادة سياسيون كثيرون عند مواجهة أزمات قد تكون ضارة سياسياً.
تتمثل المرحلة الأولى في الإنكار والتباعد.
أكد ترامب مراراً أن أي علاقة له بإبستين كانت محدودة واجتماعية، وانتهت قبل وقت طويل من أن تصبح المشاكل القانونية لرجل الأعمال معروفة على نطاق واسع. ومن خلال التأكيد على أن العلاقة كانت قصيرة وحدثت قبل عقود، يكون الهدف تضييق نطاق الارتباط وتقليل المسؤولية الشخصية.
ويرتبط بذلك أيضاً التقليل من أهمية القضية، إذ يشير المنتقدون إلى أن تصريحات ترامب وحلفائه غالباً ما تصور المسألة على أنها مبالغ فيها أو ذات دوافع سياسية، أو أنها قضية جرى التحقيق فيها سابقاً.
في هذا الإطار يُقدَّم الاهتمام المتجدد بملفات إبستين ليس باعتباره تحقيقاً مشروعاً، بل محاولة من خصوم سياسيين أو وسائل إعلام معادية لإحياء قصة قديمة.
ومع استمرار التدقيق، يتحول الرد إلى المراوغة وإعادة تأطير النقاش، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الوثائق المتعلقة بإبستين، يعمد ترامب ومعلقون داعمون له إلى توجيه النقاش نحو موضوعات سياسية أوسع مثل تحيز الإعلام، أو العداء الحزبي، أو مزاعم بوجود مخالفات لدى شخصيات ديمقراطية.
في هذه المرحلة تتحول القضية من نقاش محدد حول الوثائق إلى جزء من سردية أوسع عن الصراع السياسي في واشنطن.
ومن التكتيكات الأخرى توجيه الاتهامات المضادة.
الصحفيون أو المحققون أو الخصوم السياسيون الذين يطرحون أسئلة حول ملفات إبستين يُوصَفون أحياناً بأنهم منحازون أو غير نزيهين أو جزء من حملة منسقة ضد ترامب، ومن خلال التشكيك في مصداقية المنتقدين ودوافعهم، ينتقل التركيز من الاتهامات نفسها إلى الجدل حول حياد من يثيرها.
في الوقت نفسه يتم تنفيذ جزء كبير من الدفاع عبر «وسطاء» أو حلفاء - من أعضاء في الكونغرس ومعلقين سياسيين ووسائل إعلام داعمة - يعيدون تكرار رواية الإدارة عبر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات السياسية المختلفة، ويسمح ذلك بتعزيز الرسالة السياسية بشكل غير مباشر مع إبقاء الشخصية الرئيسية على مسافة نسبية من المعارك الإعلامية اليومية.
كما يصبح التحكم بالمعلومات نفسها أداة أساسية.
يشير المنتقدون إلى الإفراج الانتقائي عن الوثائق، بما في ذلك نشر ملفات منقحة، كمثال على الإفصاح المتحكم فيه. وقد يبرر المسؤولون هذه التنقيحات بأسباب قانونية - مثل حماية الضحايا أو احترام قوانين الخصوصية أو الامتثال لأوامر قضائية - لكن المشككين يرون أن الإفصاح الجزئي قد يحد أيضاً من كشف تفاصيل قد تكون محرجة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مظهر الشفافية.
إلى جانب ذلك، قد تستغرق مراجعة الوثائق وإصدارها وقتاً طويلاً بسبب الإجراءات القانونية والإدارية، ما يؤدي إلى إطالة المدة الزمنية وتخفيف حدة الاهتمام الإعلامي المباشر.
وتظهر مرحلة أخرى في محاولة تغيير أجندة النقاش العام، فكثيراً ما تنتقل رسائل ترامب السياسية إلى موضوعات أخرى مثل الاقتصاد والهجرة والانتخابات أو الصراعات مع الخصوم السياسيين، ومن خلال ملء المشهد الإعلامي بقضايا جديدة، تصبح القضية الأصلية مجرد موضوع من بين موضوعات عديدة تتنافس على اهتمام الجمهور.
قد يتضمن هذا التحول أحياناً تصعيد الصراع السياسي نفسه. فالمواجهات مع الخصوم السياسيين أو المؤسسات أو وسائل الإعلام قد تهيمن على العناوين الرئيسية وتزيد من الاستقطاب بين المؤيدين والمعارضين، ما يحول النقاش من تفاصيل القضية الأصلية إلى معركة سياسية أوسع.
يذهب بعض المعلقين إلى أبعد من ذلك، فيفسرون هذه التطورات من خلال ما يُعرف في العلوم السياسية بـ"نظرية السياسة الخارجية الإلهائية"، وتشير هذه الفكرة إلى أن القادة الذين يواجهون ضغوطاً داخلية شديدة قد يستفيدون سياسياً عندما تهيمن الأزمات الدولية على دورة الأخبار وتؤدي إلى ما يُعرف بتأثير "الالتفاف حول العلم".
في هذا السياق، اقترح بعض المنتقدين أن المواجهة مع إيران قد تعمل كتحول في السردية العامة، ينقل الاهتمام من الجدل الداخلي إلى قضايا الأمن القومي.
ويتبع هذا النمط تسلسلاً مألوفاً: التباعد، التقليل من الأهمية، المراوغة، مهاجمة المنتقدين، التحكم في المعلومات، إطالة الإجراءات، ثم تحويل أجندة النقاش العام.
ويبقى ما إذا كان هذا التفسير يعكس فعلاً الدوافع وراء تصرفات ترامب موضع جدل سياسي، لكنه يسلط الضوء على سؤال أوسع حول الاتصال السياسي المعاصر: ففي عصر تتسارع فيه دورة الأخبار ويشتد فيه الاستقطاب، قد تصبح معركة السيطرة على السردية العامة لا تقل أهمية عن الأحداث التي أشعلت الجدل في المقام الأول.


