الخميس 12 مارس 2026 الساعة 08:19 ص

الأخبار

أزيز لا يغيب

كيف أصبحت "الزنانة" جزءًا من يوميات الغزيين؟

حجم الخط
غزة - صوت الاقصى

في غزة، لم يعد الصمت في السماء أمرًا مألوفًا. فهناك صوتٌ يكاد لا يغيب عن آذان السكان، أزيز متواصل يرافق الليل والنهار، حتى بات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، طائرات الاستطلاع الإسرائيلية أو ما يُعرف غزيا ب "الزنانة"، تحولت مع مرور السنوات إلى رمز دائم للمراقبة والقلق.

في الأزقة الضيقة وعلى أسطح المنازل، وفي لحظات الهدوء النادرة، يظل هذا الصوت حاضرًا في الخلفية. قد يخفت أحيانًا لكنه لا يختفي تمامًا، ليذكر السكان بأن السماء فوقهم ليست بعيدة عن واقع الحرب.

ويقول سكان في غزة إن أزيز الزنانة لم يعد مجرد ضجيج عابر، بل أصبح جزءًا من الروتين اليومي الذي اعتادوا سماعه منذ سنوات، لكنه يظل محمّلًا بقلق دائم. فكلما ارتفع الصوت في السماء، تتجه الأنظار تلقائيًا إلى الأعلى، ويتسلل شعور الترقب إلى القلوب، وبالنسبة لكثير من العائلات، يتحول الليل إلى وقت أكثر حساسية، حيث يبدو الأزيز أكثر وضوحًا في سكون الظلام.

 بعض السكان يقولون إنهم باتوا يميزون نبرة الصوت وارتفاعه، ويشعرون أحيانًا بأنه يقترب أو يبتعد، وكأنهم تعلموا قراءة السماء بأصواتها.

ويرى مختصون أن التحليق المستمر لطائرات الاستطلاع لا يقتصر على الأهداف العسكرية أو الاستخباراتية فحسب، بل يترك أيضًا آثارًا نفسية عميقة على السكان، إذ يخلق حالة دائمة من التوتر والترقب، خصوصًا في ظل ارتباط هذا الصوت في ذاكرة الغزيين بجولات التصعيد والقصف.

ورغم محاولة كثير من السكان التكيف مع هذا الواقع، فإن الطنين المتواصل يظل حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ في أحاديث الجيران، وفي ليالي السهر على ضوء الشموع، وحتى في لحظات اللعب في الشوارع.

"الصوت ما بروح لا ليل ولا نهار، طنين مستمر وكأن السماء اعتادت على وجود الزنانة وأصبحت طقسا يوميا من أيام غزة"، تقول نهاد مروان.

تضيف في حديثها للصحافة، "بالنهار بنحاول نلهي حالنا ونعتبر أنها مش موجودة مع المشاغل لكن ليلا ووقت تسكت الدنيا يصبح الصوت أوضح وأحيانا مرتفع بشكل أكثر، حتى أصبح الأطفال يغلقون آذانهم بايديهم عندما يقترب صوتها".

وتتابع: "الزنّانة بتحسسك إنك مراقَب طول الوقت حتى وإنت واقف عالسطح أو ماسك الموبايل".

وتردف "لا يقتصر الأثر السلبي للزنانة على الجانب العسكري والمراقبة بل تجاوز الحرب النفسية بتشعر من وقت لآخر إنها بتلف فوقك وعايشة معك تفاصيل حياتك كلها".

لا يبدو الحال مختلفا عند نائل معمر والذي عاش حروب غزة جميعها، ويرى أن العلاقة مع صوت الزنانة تغيرت مع مرور الوقت، "كنا في بداية الأمر ننزعج بشكل كبير من وجودها أما الآن فقد اعتدنا على صوتها حتى أصبحت جزءا من حياتنا والغريب في الأمر أننا أصبحنا نفتقدها في بعض الحالات التي تكون مرتفعة فيها".

يضيف "أول مرة سمعناها استغربنا الصوت واليوم صار جزء من حياتنا، والفرق إنه زمان كانت تجي وقت الحرب وتروح أما الآن فلا تغادر السماء". 

ويتابع: "زمان كنا نخاف من الطيارة الكبيرة لأنها بتقصف، اليوم بنخاف من الصوت الصغير لأنه ممكن يقصف وممكن بس يراقبك فالقصف بيوجع الجسد والزنّانة تؤلم الأعصاب". 

الاختصاصية النفسية في دائرة الصحة النفسية التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني هيام خلف الله، تؤكد أن التعرض المستمر لأصوات الطائرات المسيّرة يترك آثارًا نفسية عميقة لدى السكان، وخاصة الأطفال.

وتقول إن الصوت والأزيز المستمر وغير المتوقع يُبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، الأمر الذي  يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق المزمن واضطرابات النوم، ونوبات هلع، والتبول اللاإرادي لدى الأطفال.

وتضيف: "الإحساس بالمراقبة المستمرة أخطر من الضربة أحيانًا؛ لأن الدماغ لا يحصل على فرصة للهدوء أو استعادة الإحساس بالأمان"، مشيرة إلى أن هذا النوع من التعرض المستمر للتهديد يخلق استنزافاً نفسياً طويل الأمد.