الثلاثاء 10 فبراير 2026 الساعة 03:23 م

الأخبار

يُعانون "صدمة مضاعفة"

أطفال "طيف التوحد" بغزة.. بين انعدام الرعاية الصحية والتأهيل وفقدان الأمان

حجم الخط
غزة - صوت الاقصى

يعيش أطفال من ذوي "طيف التوحد" وأسرهم تحدياتٍ مضاعفة داخل مخيمات نزوح تفتقر لأدنى مقومات الحياة في قطاع غزة، وسط ظروف معيشية قاهرة، وانهيار في القطاع الصحي، وغياب للرعاية الصحية والخدمات التأهيلية والنفسية.

هذه المخيمات تفتقر إلى البيئات الهادئة والمنظمة التي يحتاجها هؤلاء الأطفال للشعور بالأمان والاستقرار، في ظل استمرار حالة الاكتظاظ والضوضاء وتغير الروتين اليومي، مما ينعكس على سلوكهم وصحتهم النفسية.

وتُعرف "اضطرابات طيف التوحد" بأنها مجموعة من الاعتلالات المتنوعة المرتبطة بنمو الدماغ، تؤثر على التواصل الاجتماعي والسلوكيات والتفاعلات الحسية للأطفال بطرق مختلفة تتفاوت شدتها من طفل إلى آخر.

وتشتكي أسر الأطفال من غياب أبسط الاحتياجات المتمثلة في وجود مساحة آمنة، أدوات تعليمية مناسبة، وجلسات دعم متخصصة.

ويُبرز نقص الكوادر المؤهلة والخدمات التأهيلية كعقبة رئيسية، لأن العلاج السلوكي، والدعم التعليمي الفردي، وبرامج تنمية المهارات الاجتماعية، كلها خدمات نادرة أو غير منتظمة، ما يُهدد بتراجع التقدم الذي حققه بعض الأطفال قبل النزوح.

ولا تقع الأعباء على الأطفال وحدهم، بل تتحمل العائلات ضغوطًا نفسية واقتصادية متزايدة، وتواجه صعوبة في التوفيق بين تأمين الاحتياجات الأساسية لبقية أفراد الأسرة، وتوفير الرعاية الخاصة لأطفالهم من ذوي التوحد، في ظل محدودية الموارد وغياب شبكات الدعم لهم.

فقدان الأمان

والد الطفل عبد الرحمن الشامي يقول: إن "كل نزوح جديد من منطقة سكنهم، كان أشبه بكسر في يوم عبد الرحمن، لأن الحركة الكثيرة والتنقل والضوضاء، جميعها أسباب تبدد راحته، كونه يحاول التأقلم على الوضع الجديد والمكان الذي ينتقلون إليه".

ويضيف الشامي  "يعتمد أطفال التوحد على روتين محدد للنوم والطعام والمكان الذي يلعب فيه، وكلما نزحنا من مكان إلى آخر تغيّرت كل تفاصيل حياته، الأمر الذي جعّل عبد الرحمن يُصارع نوبات هلع حادة وقاسية وبكاء وعويل لساعات متواصلة، ولا يعرف أحد مساعدته أو تهدئته".

ويتابع "هذه التنقلات وعدم الاستقرار وتغير الأشخاص يسحب الأمان من قلبه".

ويشير إلى أنه حاول استخدام طرق عدة لتهدئته، لكن الضوضاء والفوضى حوله كانت أقوى من أي شيء آخر.

ويحتاج لأطفال الذي يعانون من "طيف التوحد" إلى توقع الأحداث للحفاظ على شعورهم بالأمان، وفقدان الروتين يجعلهم يفسرون كل التغيير كخطر محتمل. وفق الشامي

خوف وضوضاء 

ولا يبدو الأمر مختلفًا عند نورهان السعدي، والتي تشرح معاناتها مع طفلها المريض بالتوحد بقولها: "يعاني طفلي من حساسية شديدة للأصوات، خاصة أصوات القصف والطائرات، والضوضاء الناتجة عن صوت سيارة المياه القادمة إلى المخيم".

وتضيف السعدي "منذ السابع من أكتوبر، تراجعت حياة طفلي لؤي؛ فهو يفقد كل معاني الأمان والخوف وتغير الروتين والأشخاص".

وتتابع "لا يتوقف الأمر على مجرد خوف فقط، بل يتجاوز الألم الحسي لأي متغير مفاجئ".

وتردف "حاولتُ أن أضع له سماعات عازلة للصوت، وأن أجد زاوية هادئة نسبيًا داخل الخيمة، لكن الضوضاء كانت تتسلل في كل مكان".

صدمات نفسية

مدير برنامج ومدرسة الإرادة لتأهيل التوحد في القطاع إسلام بركات يؤكد أن الأطفال المصابين بالتوحد يتأثرون بشكل بالغ بالصدمات المستمرة.

ويقول بركات": إن "أصوات الانفجارات والقصف المستمر تجعل الأطفال يغطّون آذانهم، يصرخون ويبكون، ويركضون دون وجهة يعرفونها، مما يحعل الأهالي يشعرون بالعجز تجاه حالة أصابت أبنائهن".

ويضيف أن "أطفال طيف التوحد حساسون للغاية لكل ما حولهم، وأي تغيير في الروتين أو البيئة المحيطة يسبب لهم توترًا شديدًا".

وحسب بركات، فإن "مجريات الحرب والنزوح وحياة المخيمات محّت جُل ما تعلمه الأطفال خلال سنوات من التأهيل".

وشهد غالبية الأطفال المصابين بالتوحد من درجات مختلفة، وفقًا لبركات، تدهورًا كبيرًا في أوضاعهم الصحية والسلوكية؛ حيث فقّد بعضهم القدرة على الكلام والتواصل البصري، وازدادت مدة وعدد التشنجات لديهم.

ويؤكد أن توقف عمل مراكز التأهيل والمدارس الخاصة بالتوحد، سواءً نتيجة الدمار المباشر أو نزوح الأخصائيين، ترك الأطفال بلا أي دعم نفسي أو علاج سلوكي.

ويوضح أن هؤلاء الأطفال يعيشون "صدمة مضاعفة"، صدمة الحرب المباشرة وفقدان الخدمات التأهيلية والتعليمية التي كانت توفر لهم توازنًا واستقرارًا نفسيًا وسلوكيًا.