على تخوم الوجع، حيث يعانق التراب الفلسطيني بصبره الأسطوري آفاق العالم الضيقة، يطل معبر رفح اليوم لا كمجرد نقطة عبور حدودية، بل كمرآة تعكس أدق تفاصيل المأساة والسياسة. إنّ الإعلان عن بدء التشغيل "التجريبي" للمعبر كإشارة لافتتاح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، لا يبدو في عمقه نصراً إنسانياً، بل هو مخاض عسير بين إرادة حياة فلسطينية تأبى الانكسار، وبين آلة احتلال تحاول تحويل "المنفذ الوحيد" إلى "خناق" تقني ومصيدة أمنية.
الالتفاف السياسي: من الاتفاقيات الدولية إلى "المقايضة" الأمنية
لم يكن فتح المعبر "مكرمة" أو منة إسرائيلية، بل كان استحقاقاً فُرِض بضغط دولي وأمريكي خانق بعد أن استوفى الاحتلال ملف محتجزيه. ومع ذلك، يسعى "نتنياهو" لامتصاص غضب حكومته المتطرفة عبر إفراغ المعبر من مضمونه الإنساني والسياسي.
لقد ضرب الاحتلال عرض الحائط باتفاقية عام 2005، مختلقاً دوراً أمنياً مباشراً يرسخ واقع "الاحتلال الدائم" بغطاء البعثات الدولية. وفي خطوة خبيثة، يصر الاحتلال على عزل البضائع والمساعدات عن معبر رفح، وحصرها في معبر "كرم أبو سالم"، ليبقى هو المتحكم الوحيد في "لقمة العيش". هذا الحصار الممنهج أدى إلى كارثة طبية؛ حيث تعاني المستشفيات من نقص بنسبة 53% في الأدوية الأساسية و70% في المواد المخبرية، مما يضع 300,000 مريض مزمن (بالسكري والقلب والكلى) في مواجهة الموت، لا بالرصاص هذه المرة، بل بنفاد "الأنسولين" وتوقف أجهزة "غسيل الكلى".
لغة الأرقام: الموت بـ "القطّارة"
عندما نتحدث عن 22,000 جريح ومريض (بينهم نحو 5 آلاف حالة طارئة و440 حالة حرجة) ينهش الألم أجسادهم في انتظار الخلاص، فإن السماح بمرور 150 شخصاً كحد أعلى يومياً (من بينهم 50 مريضاً) هو حكم إعدام مؤجل. بهذه الوتيرة، سيحتاج المصابون لسنوات لمغادرة القطاع؛ وهي سنوات لا يملكها مريض سرطان أو جريح في حالة حرجة. إن هذا "التقطير" المتعمد هو قتل هادئ بدم بارد، واستمرار لنهج أدى سابقاً لوفاة 1,250 مريضاً وهم يرقبون البوابة المغلقة بأعين منكسرة.
المعبر كمصيدة: التكنولوجيا في خدمة التطهير العرقي
تحول المعبر من بوابة للحرية إلى "سجن مراقبة شاملة". فاستخدام تقنيات التعرف على الوجوه، واستحداث نقطة تفتيش إسرائيلية "بعد المعبر" داخل أراضي غزة، يحول رحلة السفر إلى مقامرة على الحرية. إنها سياسة "الباب الدوار" الخبيثة: تسهيل خروج الفلسطينيين ووضع العراقيل أمام عودتهم، في محاولة لتشجيع "الهجرة الطوعية القسرية". إنه تطهير عرقي مغلف بصبغة لوجستية، حيث يُراد للفلسطيني أن يخرج ولا يعود، لتبقى الأرض بلا أصحابها.
رحلة العودة: حين يصبح الحنين "جُرماً"
تتجلى قسوة الاحتلال في أبشع صورها عند بوابة العودة. فمنذ اليوم الأول، تحولت رحلة العائدين إلى غزة إلى "رحلة تعذيب". شهادات العائدين تندى لها الجبين؛ مسلحون مقنعون، عصب للعيون، تقييد للأيدي، وتحقيقات لجنود الاحتلال مذلة تستمر لساعات. من أصل 50 عائداً، تم طرد 38 منهم وإعادتهم للجانب المصري، أما القلة الذين سمح لهم بالمرور ( وهم نساء وأطفال)، فقد صودرت مقتنياتهم حتى "ألعاب أطفالهم". وبتهكم حاقد، يسأل الجندي الإسرائيلي العائدات: "غزة أصبحت خراباً، لماذا عدتم؟". إنه سؤال لا يستهدف المعلومة، بل يستهدف كسر الروح المعنوية وإيصال رسالة مفادها: "لا مكان لكم هنا".
كبوة المحتل: حين يرتد السحر على الساحر
أراد الاحتلال عبر سياسة التنكيل والترهيب عند المعبر أن "يُشرد بهم من خلفهم"، دافعاً الغزيين للعزوف عن العودة والبحث عن هجرة أبدية. لكن المحتل، في غطرسته، أخطأ الحسابات. إنّ العنف لا يولد إلا مزيداً من التمسك بالتراب. هذه السياسة الخشنة أدخلت الرعب في قلوب الذين فكروا في مغادرة غزة، لأنهم أدركوا أنّ طريق العودة مغلق، فآثروا البقاء والصمود فوق الركام. ولو انتهج الاحتلال "السياسة الناعمة" بفتح المعابر وتسهيل الهجرة، لربما نجح في خطته، لكن الله قدر له أنْ يمارس إجرامه لِيُفشِل خططه بيده، وليبقى الفلسطيني ملتصقاً بأرضه، يرفض أنْ يقايض هويته بحفنة من أمن زائف.
خاتمة: الشريان لا يجب أن يكون خيطاً من سراب
إن معبر رفح بالنسبة للفلسطيني هو نافذة الروح، والتعامل معه كأداة للمساومة السياسية أو كمصيدة أمنية هو جريمة تضاف إلى سجل جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد "فتح محدود" لمعبر رفح يخدم البروباغندا الإسرائيلية، بل فتح كامل، دائم، وغير مشروط، يعيد لغزة حقها في التواصل مع العالم.
إن بوابة رفح يجب أن تكون جسراً للحياة، لا فخاً للرحيل أو مقصلة للهوية.


