كان من المفترض أن يكون المشهد مختلفًا تمامًا مع نهاية هذا الأسبوع. لجنة التكنوقراط تدخل غزة، تبدأ استلام الملفات، ويُقال إن صفحة إدارية جديدة تُفتح بعد حرب ثقيلة.
لكن ما جرى فعليًا أن الموعد مرّ بصمت… اللجنة لم تصل، وقد لا تصل قبل أسبوع أو أسبوعين على الأقل.
في الظاهر، بدا التعطيل إسرائيليًا بامتياز: عراقيل ميدانية، تأخير إجرائي، وضغوط اعتادها الغزيون. غير أن المعطيات المتقاطعة تكشف أن القصة لا تتوقف هنا.
خلف الكواليس، برز متغير أكثر حساسية: تراجع ذاتي داخل لجنة التكنوقراط نفسها. خلال الأيام الأخيرة، بدأت ملامح انكفاء غير معلن تظهر داخل اللجنة. المعلومات تشير إلى ضغوط مرتبطة بمرجعيتها السياسية ضمن ما يُعرف بـ«مجلس السلام»، ضغوط كبحت اندفاعة اللجنة، ووضعت فرامل حقيقية أمام استلام الملفات الحكومية بشكل رسمي ومنتظم من الجهات القائمة في غزة.
المفارقة أن هذا التراجع لم يُعلن، لكنه كان كافيًا لتعطيل الاستحقاق بأكمله.
الأكثر إرباكًا أن اللجنة، بحسب ما رشح، لا تنوي التعاطي مع الملفات الحكومية كحزمة واحدة. الحديث يدور عن إدارة انتقائية: ملفات تُستلم، وأخرى تُرحّل – مثل ملف الموظفين – وثالثة تُترك خارج الحسابات وتبقى في عهدة السابقين، مثل ملف الحقوق المالية.
هذا التوجه لا ينسجم مع فكرة لجنة تكنوقراط يُفترض أن تعمل بعقلية مؤسسية شاملة، وبقنوات واضحة مع الجهات الرسمية القائمة في القطاع، لا بمنطق التجزئة أو الاختيار.
بهذا المعنى، تتحول عملية «التسليم والتسلّم» من مسار إداري متكامل إلى إدارة جزئية للملفات، محمّلة بإشارات سياسية أكثر مما هي حلول إدارية.
وهنا تحديدًا تبدأ علامات الاستفهام الثقيلة. كل ذلك يأتي في توقيت حساس، كانت فيه القاهرة قد أنجزت تحضيرات واسعة لعملية تسليم وتسلم كاملة ومنضبطة. المسار المصري قام على فكرة واضحة: نقل جميع الملفات دفعة واحدة، بمشاركة القوى والفصائل الوطنية والهيئات الحكومية، لتفادي أي فراغ أو فوضى في مرحلة شديدة الهشاشة.
لكن الضغوط التي تتعرض لها اللجنة باتت تهدد بتعطيل هذه الآلية التي ترعاها القاهرة، وهو ما يفسّر حالة الإحباط المتصاعدة، فضلًا عن توتر صامت مع الجانب المصري، الذي لا يتعامل مع الإدارة الانتقالية كمساحة للاجتهاد أو الانتقائية.
وفي الخلفية، تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابات حاسمة:
ما هي الصلاحيات الفعلية للجنة؟
من يملك القرار؟
وأين الصندوق المالي الذي يُفترض أن يشكّل موازنتها التشغيلية؟
هذا الغموض، مقرونًا بتباين الرؤية بين المرجعية السياسية والواقع الإداري في غزة، خلق حالة قلق واضحة حتى داخل اللجنة نفسها. ورغم التطمينات المتكررة التي تنقلها المرجعية الدولية، والممثلة بما يُعرف بـ نيكولاي ميلادينوف، إلا أن الاتصالات الجارية حتى الآن لم تنجح في تبديد الشكوك.
فالسؤال الذي يتردد بصوت منخفض لكن ثابت:
هل نحن أمام لجنة إدارة فعلية قادرة على الإمساك بالملفات؟
أم أمام واجهة انتقالية محدودة الصلاحيات، محكومة بسقف إداري ومالي ضيق؟
في المحصلة، ما يجري هو تعطيل إسرائيلي من جهة، وإلى جانبه أزمة مركّبة تتقاطع فيها العراقيل الميدانية مع تردد داخلي وضغوط مرجعية غير محسومة، ومع تصادم واضح بين منطق الإدارة الشاملة الذي ترعاه مصر، ومنطق الانتقائية الذي يلوّح به داخل اللجنة.
وإذا لم تُحسم هذه العقد سريعًا، فإن فكرة «التسليم الإداري المنظم» مهددة بالتحول إلى مسار هشّ… مفتوح على مزيد من الإرباك والفراغ.


