الثلاثاء 30 ديسمبر 2025 الساعة 08:28 م

مقالات وآراء

الخلافات السعودية - الإماراتية: من التحالف إلى الصدام

حجم الخط

لم تعد الخلافات بين السعودية والإمارات شأناً يمكن احتواؤه عبر القنوات الخلفية أو تغليفه بلغة المجاملات الدبلوماسية التي طبعت العلاقات الخليجية لعقود. فما بدأ كتباين في الرؤى داخل تحالفٍ إقليمي واحد، تحوّل تدريجياً إلى تنافس استراتيجي مكشوف، تتجلّى ملامحه في الخطاب السياسي، والتحركات الميدانية، وإعادة التموضع الإقليمي لكلا الطرفين.

وجاءت التطورات الأخيرة لتدفع هذا المسار إلى ذروته، حين انتقلت العلاقة من مستوى الخلاف المُدار إلى مستوى الاشتباك الصريح، مع القصف السعودي لسفينتي سلاح إماراتيتين كانتا في طريقهما من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا، وما تبعه من بيان رسمي للخارجية السعودية يمنح الإمارات مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن.

هذه الواقعة، بما تحمله من دلالات سياسية وأمنية غير مسبوقة، لا يمكن قراءتها كحادث عابر، بل بوصفها إعلاناً عملياً عن انهيار التحالف العسكري وانتهاء مرحلة كاملة من إدارة التناقضات تحت السطح.

تحالف الضرورة لا تحالف القناعة

منذ انطلاق الحرب في اليمن عام 2015، بدا التحالف السعودي - الإماراتي في ظاهره تعبيراً عن وحدة موقف خليجي في مواجهة تحديات إقليمية متسارعة، لكنه في جوهره كان تحالفاً قائماً على الضرورة لا على القناعة المشتركة.

السعودية دخلت هذا التحالف بوصفها الدولة المركزية في الإقليم، الحاملة لعبء الشرعية السياسية والدينية، والمسؤولة عن تأمين الغطاء القانوني والدولي لأي تحرك عسكري واسع.

في المقابل، تعاملت الإمارات مع التحالف كفرصة استراتيجية لتنفيذ مشروع نفوذ محدد، يعتمد على المرونة، والسرعة، وبناء شبكات محلية عابرة للشرعيات الرسمية.

هذا التباين البنيوي في مقاربة الدور والهدف جعل التحالف غير متوازن منذ لحظته الأولى، فبينما كانت السعودية ترى نفسها في موقع القيادة الاضطرارية التي تتحمل كلفة القرار وتداعياته، كانت الإمارات تتحرك بمنطق الدولة الصغيرة شديدة الطموح، الساعية إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من الالتزامات طويلة الأمد.

مع مرور الوقت، تحوّل هذا الاختلاف من مسألة أسلوب إلى مسألة مشروع، ومن تباين تكتيكي إلى تعارض استراتيجي مكتوم.

اليمن بوصفه لحظة الانكشاف الكبرى

لم يكن اليمن مجرد ساحة حرب، بل كان المرآة التي عكست بوضوح التناقضات الكامنة داخل التحالف.

السعودية خاضت الحرب تحت عناوين تتعلق باستعادة الشرعية، ومنع انهيار الدولة اليمنية، واحتواء التهديدات الأمنية على حدودها الجنوبية.

غير أن الإمارات، وعلى الأرض، أعادت تعريف الحرب وأهدافها، فركزت على بناء قوى محلية موازية، ودعمت تشكيلات مسلحة خارج إطار الشرعية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، بالتوازي مع سعي حثيث للسيطرة على الموانئ والجزر والمواقع البحرية الحساسة.

هذا المسار المزدوج أفرغ خطاب التحالف من مضمونه، وحوّل الحرب من مشروع استعادة دولة إلى مشروع تفكيك منظم لمراكز القرار اليمني، ومع الانسحاب العسكري الإماراتي التدريجي بعد تثبيت نفوذها، وجدت السعودية نفسها عالقة في حرب طويلة، تتحمل وحدها كلفتها السياسية والأمنية والأخلاقية.

منذ تلك اللحظة، لم يعد اليمن ملفاً خلافياً فحسب، بل أصبح دليل اتهام صامت داخل الرياض ضد شريك لم يشاركها الهدف ولا العبء.

من التباين الصامت إلى كسر المحرّم

لسنوات، أُدير هذا التناقض بعقلية الاحتواء، تحت مظلة الخطاب الخليجي التقليدي الذي يفضّل الصمت على المواجهة، غير أن القصف السعودي لسفينتي السلاح الإماراتيتين، وما تلاه من إنذار دبلوماسي رسمي، شكّل لحظة فاصلة كسرت هذا التقليد بالكامل.

استخدام القوة المباشرة بين دولتين حليفتين سابقاً يمثّل كسراً للمحرّم الأخير في العلاقات الخليجية، وإقراراً عملياً بأن الخلاف لم يعد قابلاً للإدارة السياسية التقليدية.

هذه الواقعة تعبّر عن انتقال نوعي في نظرة الرياض إلى الوجود الإماراتي في اليمن، من شراكة قابلة للتصحيح إلى تهديد يستوجب الرد - وبذلك، يمكن اعتبار هذا التطور نهاية فعلية للتحالف العسكري، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسمياً.

الخطاب العلني بوصفه انعكاساً للقرار السياسي

في هذا السياق، تكتسب تغريدات ضاحي خلفان وعبد الخالق عبد الله دلالة تتجاوز مضمونها المباشر. فهذه التصريحات، بلهجتها الاستفزازية والمهينة تجاه السعودية، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام. إنها ليست آراء فردية معزولة، بل انعكاس لتحوّل في قرار إدارة الخلاف، يسمح بنقله من القنوات الخلفية إلى المجال العام.

السماح بخروج هذا الخطاب إلى العلن يعني أن سقف التحفّظ انكسر، وأن أبوظبي باتت ترى في الاشتباك الإعلامي أداةً لتثبيت موقعها في مرحلة ما بعد التحالف، وهو تطور غير مسبوق في العلاقات الخليجية، التي اعتادت تاريخياً على إخفاء خلافاتها مهما بلغت حدّتها.

القرن الإفريقي والبحر الأحمر… جذور التنافس العميق

خلف مشاهد اليمن والخطاب الإعلامي، يكمن صراع أعمق يتصل بإعادة تشكيل موازين القوة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

التحركات الإماراتية في إريتريا وأرض الصومال، ضمن شراكات أمنية وعسكرية متقدمة، بعضها مرتبط بإسرائيل، تمثّل توسعاً استراتيجياً يمسّ الأمن القومي السعودي في عمقه.

هذه التحركات لم تُبنَ على تنسيق حقيقي مع الرياض، ولم تُدرج ضمن رؤية خليجية مشتركة لدور المنطقة في هذه الساحة الحيوية.

السعودية وجدت نفسها أمام واقع جيوسياسي تُرسم فيه خرائط النفوذ من حولها، دون أن تكون شريكاً في القرار أو قادرة على ضبط مساره، ومع تزايد أهمية البحر الأحمر كممر للتجارة والطاقة والأمن، تحوّل هذا الملف إلى أحد أبرز أسباب التوجس السعودي من المشروع الإماراتي، بوصفه مشروعاً يتجاوز الشراكة إلى التطويق.

محمد بن سلمان وإعادة تعريف الشراكات

في هذا الإطار المركب، يمكن فهم التحولات الأخيرة في السياسة السعودية بوصفها نتيجة مراجعة عميقة لتجربة السنوات الماضية.

محمد بن سلمان لا يعبّر عن شعوره بالاستنزاف أو الخداع عبر التصريحات، بل عبر إعادة هندسة شبكة التحالفات.

التهدئة مع إيران، وإعادة فتح قنوات التواصل مع سوريا، وتقليل الاعتماد على الحلفاء الإقليميين ذوي المشاريع الخاصة، كلها مؤشرات على رغبة سعودية في استعادة هامش القرار المستقل.

لم تعد الإمارات تُرى في الرياض كحليف مضمون، بل كشريك منافس يمتلك أجندة مستقلة، ويتحرك بأدوات مشتركة ولكن بأهداف مختلفة. هذا التحول في النظرة ليس تكتيكياً، بل استراتيجي، ويعيد تعريف موقع السعودية ودورها في الإقليم.

مستقبل العلاقة في ظل انهيار الثقة

ما جرى في اليمن، وما سبقه وتلاه، يجعل من العودة إلى ما قبل 2019 أمراً شبه مستحيل.

العلاقة دخلت مرحلة تصعيد بارد طويل الأمد، تتداخل فيه المنافسة الاقتصادية مع الصراع على النفوذ، ويغيب عنه أي إطار ثقة حقيقي.

القصف والإنذار لم يكونا حادثة معزولة، بل إشارة واضحة إلى أن قواعد اللعبة تغيّرت جذرياً.

في هذه المرحلة، لن يكون الصراع مباشراً بالضرورة، لكنه سيكون مفتوحاً ومتعدد الساحات، في إقليم لم يعد يحتمل تحالفات قائمة على سوء الفهم أو تضارب المشاريع.

ما تشهده العلاقة السعودية–الإماراتية اليوم ليس أزمة عابرة، بل نهاية مرحلة كاملة من التحالفات الوظيفية في المنطقة.

انتهى زمن توزيع الأدوار الصامت، وبدأ زمن تزاحم المشاريع المتنافسة، حيث يرى كل طرف نفسه مركز ثقل مستقلاً لا يقبل الشراكة الثانوية.

وفي منطقة تتغير فيها موازين القوى بسرعة، فإن التحالفات التي لا تقوم على تطابق المصالح والرؤى تتحول سريعاً من أدوات قوة إلى مصادر توتر. والسؤال لم يعد: هل وقع الخلاف؟ بل: هل ما جرى يمثل سقف التصعيد… أم مجرد بدايته؟