في المشهد الغزّي الراهن، لا تُقاس التطورات بما يُقال في المؤتمرات الصحفية، بل بما يتحرّك أو يتعطّل على الأرض. وبين هذين المستويين، تتراكم الإشارات: تصريحات مصرية متفائلة حذِرة، رسائل إسرائيلية مشروطة، وضغط أميركي يحاول أن يشقّ طريقه وسط ألغام السياسة والأمن.
حين يعلن وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي أن القاهرة «منخرطة بالكامل» للدخول الفوري في المرحلة الثانية، فهو لا يطلق وعدًا مجانيًا، بل يحدّد سلّة استحقاقات ثقيلة: انسحاب إسرائيلي، نشر قوة الاستقرار الدولية، تشكيل مجلس السلام، وتدشين لجنة تكنوقراط فلسطينية تُمسك بإدارة القطاع، مع شرطة فلسطينية لإنفاذ القانون.
الرسالة المصرية واضحة: المرحلة الثانية ليست شعارًا، بل رزمة مترابطة؛ لا يمكن فصل الأمن عن الحكم، ولا إعادة الإعمار عن الاستقرار. القاهرة، ومعها الوسطاء، تراهن على يناير كنافذة سياسية، وتراهن أكثر على الانخراط الأميركي المباشر وعلى دور الرئيس دونالد ترامب في كسر الجمود.
لكن، على الضفة الأخرى، تنقل قناة «كان» ما يُشبه الحقيقة العارية: لن تمضي خطة ترامب دون موافقة إسرائيلية.
إسرائيل تسلّمت أسماء مرشحي الهيئة التكنوقراطية، وتدرك أن وجود بديل إداري عن حماس شرطٌ عملي لولادة أي قوة دولية. ومن هنا، يتحوّل الخط الأصفر—حيث تتواصل الهجمات—إلى عقدة تنفيذية: استمرار الضربات لا يعرقل فقط التهدئة، بل يُبقي المرحلة الثانية معلّقة في الهواء.
قبيل لقاء بنيامين نتنياهو مع ترامب، تكشف «معاريف» عن خلافات داخل الإدارة الأميركية (ويتكوف–روبيو) في ملفات أخرى. السؤال الذي يتردّد في تل أبيب: هل يمتد هذا التوتر إلى غزة؟
الجواب العملي يتبلور تدريجيًا: واشنطن تمارس ضغطًا لمنع إفشال الاتفاق، لكنها لا تملك ترف الانقسام إذا أرادت فرض إيقاعها على المرحلة الثانية. وهنا تبدو القاهرة—بحسب مصادرها—معوِّلة على الضغط الأميركي كرافعة وحيدة تقريبًا.
في قلب المشهد، يقف ملف جثة الجندي ران غويلي كـشرط حاسم. التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن “انفراجة محتملة”، لكن المعادلة قاسية:
من دون هذا الملف، لا مرحلة ثانية من وجهة نظر تل أبيب.
وفي المقابل، ترى حماس—بحسب التقديرات الإسرائيلية ذاتها—أن العثور على الجثة يُسقط الذريعة الأخيرة لتأجيل الانسحاب وإعادة الإعمار، ما يجعل الملف رهانًا متبادلاً لا ورقة أحادية.
وسط هذه الاشتباكات السياسية، يبرز تطور لافت: توافق مصري–أميركي أولي على أن قوة الاستقرار لن تكون مسؤولة عن نزع سلاح حماس.
هذا التحول يعيد تعريف وظيفة القوة: قوة فصل ومراقبة، لا ذراع اشتباك.
في المقابل، تصرّ إسرائيل على ربط أي انسحاب إضافي بنزع السلاح وكشف الأنفاق، معتبرة نفسها “الجهة الوحيدة القادرة” على ذلك. وهنا يتجسّد التناقض المركزي: حيث يريد الوسطاء استقرارًا تدريجيًا، بينما تريد إسرائيل حسمًا أمنيًا، وبينهما تحاول واشنطن إدارة الفجوة كي لا ينهار الاتفاق.
وحتى اللحظة مرحلة ثانية بلا ضمانات نهائية
و السؤال لم يعُد: هل ستبدأ المرحلة الثانية؟
بل: بأي صيغة؟ ولصالح أي تصور للأمن ام لادارة نهاية الحرب في غزة؟


