الخميس 22 أكتوبر 2020 الساعة 06:25 م

مقالات وآراء

العيب في السياسة

حجم الخط

  

ثقافة العيب...منها ما هو جيد ويتناسب مع عادات وتقاليد شعبنا، ومنها ما هو  ضار وعفا عليه الزمن وأصبح من الماضي، ومع ذلك هناك من يتشبث بهذه الثقافة حين تكون تتناسب مع مصالحه ومآربه، ويتركها ولا يلتفت لها حين تتعارض مع توجهاته وطموحاته ضاربا بعرض الحائط كل المبادئ والقيم التي كان ينادي بها.
 
العيب وان حصل في المجال الاجتماعي والأخلاقي وعلى مستوى الأفراد العاديين فمن الممكن تداركه والتقليل من خسائره، ولكن إن حصل العيب في المجال السياسي على مستوى الأفراد أصحاب ألصفه الرمزية والاعتبارية فهذا من الصعب تداركه والتقليل من مخاطره لأنه يمس جموع الشعب والوطن، وقد يحتاج لسنيين طويلة وإهدار طاقات خلاقة وعقول مبدعه قبل أن  يستطيعوا التخفيف من آثاره السلبية.
 
العيب في السياسة يكون كبير ومشين في حالة وجود أفراد وعناصر يتبعون فكر واتجاه سياسي معين لا يتكلمون إلا بالفاحش من القول، يتكلم الواحد فيهم عن الآخر سواء أكان فردا أو اتجاها أو لونا سياسيا آخر، ويبدأ بالكذب والتضليل والتشويه، بل ويتففن في أكاذيبه عن الآخر ويتهمه بما هو ليس فيه، موهما نفسه أن ما يحمله من أفكار وما يقوله ويعمله هو الحق المطلق، وما عداه هو الباطل بعينه، ولا يسمح حتى لنفسه أو لغيره سماع وجهة نظر الآخرين مع أن الاختلاف بين الأفراد أو القوى هو سنة كونية، ومن يخالفها أو يحاول تعطيلها يبوء بالخسران عاجلا أم آجلا.
 
الاحتلال لا يعرف العيب حتى نلومه عليه، فمعلوم أن الثورة الفلسطينية وعلى مختلف مشاربها وألوانها السياسية ترفض وتأبى قتل النساء والأطفال، وما محاولة اتهام سمير القنطار بقتل طفلة قبل 30 عاما  إلا لقلب الحقائق، فالاحتلال  وأمام كل العالم قتل الطفل  محمد الدرة وأباد عائلة هدى غالية، وهو لن يتوقف عن هذه الجرائم الفظيعة ما لم يوجد من يردعه ويوقفه. الاحتلال كل سياسته تقوم على الكذب والتضليل الذي هو عيب العيوب ولذلك سرعان ما سيتلاشى وان طال ظاهريا وسيلعنه التاريخ.
 
عيب في السياسة أن نجد من يكرر منذ أكثر من عام من فصائل نحترمها ونقدرها لتضحياتها على مدار تاريخ الثورة الفلسطينية أن ما يحدث في الضفة والقطاع  هو صراع على المصالح والكراسي، مع أن الجميع يعرف حق المعرفة أن ما يجري هو اختلاف بين برنامجين، كل برنامج يحاول أن يثبت جاهدا انه الأجدر على قيادة سفينة الدولة الفلسطينية إلى بر الأمان عبر التخلص من الاحتلال. البرنامج المفاوض او البرنامج المقاوم استطاعا إلى حد ما تعرية الاحتلال، البرنامج الأول استطاع أن يظهر الاحتلال على حقيقته وانه هو من لا يريد السلام بعد تقديمه الكثير من التنازلات. البرنامج المقاوم بدوره أثبت أن الاحتلال لا يفهم غير لغة القوة واجبره على الخروج من غزة. الجدلية السابقة بما فيها من حراك  متواصل تستفز العقول الخلاقة للمخلصين من شعبنا لإيجاد أفكار بناءة يمكنها أن تخرجه من الوضع الحالي الذي لا يسر أحدا. 
 
عيب أن يظهر سياسي من المستوى الأول أو الثاني على شاشات الفضائيات أو حتى خلال الندوات والحوارات العادية بين المواطنين ويتكلم بكل ما هو جارح ومؤلم عن من يخالفه وجهة النظر، ويتصيد له عثراته وأخطائه ولا يتكلم إلا بها، ويتناسى ذكر ولو خصلة حميدة في خصمه ينصفه فيها، مع العلم أن الأفراد أو الجماعات أو القوى والفصائل كلها تخضع للتجارب، والتعلم من أخطائها وهفواتها وعدم تكرارها، والعرب قديما قالت 'السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه'.
 
'أنصف خصمك ' أو 'امشي عدل يحتار عدوك فيك'، باتت من الماضي وما عادت تصلح عند أصحاب العيب من القول في السياسة، ومن الصعب أن تجد ولو كلمة طيبة تخرج من أفواههم ولو على سبيل السهو والخطأ. كل إنسان أو فصيل له من السلبيات والايجابيات والانجازات والإخفاقات ما يتماشى مع  كونه جزء من عمارة هذا الكون، ومن يسير على الحق يثبت ولا يخشى أحدا كالأسد لا يضره نقيق الضفادع. بعد زمن يذهب الأفراد وتذهب الفصائل ولا يبقى من ذكرها إلا ما حققته من انجازات لوطنها وشعبها، بدل أن يلعنها التاريخ إذا ما أساءت استخدام الأمانة التي حملت.
 
الحدية في التعامل مع الأمور والأشياء وإطلاق الأحكام عليها دون التروي وعدم استخدام  المنهجية العلمية الصحيحة يهدر الطاقات ويعيدنا للخلف سنوات وهو عيب وغير مقبول، والتعامل بحكمة وروية وإنصاف الخصم هو المطلوب. الكذب بحسب علماء النفس والطب يشوش عمل أعضاء الجسم للفرد الواحد، فما بالنا عندما يكون الكذب على مستوى قوى  سياسية مؤثرة، عندها تضطرب وتذوب وتذبل مهما بلغت من قوة كونها مصطنعه ولا تقوم على حقيقة ثابتة راسخة الجذور.
 

كل الذي سبق يرينا إلى أي مدى يجب أن تتوحد الحالة الفلسطينية في بوتقة التخلص من الاحتلال، فالوطن يظل الجميع، ومن الأمور العادية والجدلية الاختلاف في الأفكار ووجهات النظر، وذلك لا يستدعي أن يمارس  أي واحد العيب في السياسية من التعصب ولي عنق الحقيقة، بل علينا أن نمارس معا قيم التعاون والمشاركة وقبول الآخر والحوار البناء الهادف، عل وعسى أن يذكرنا التاريخ بصفحات من ماء الذهب، ولعل وعسى أجيال المستقبل لا تلعنا في قبورنا.