سيادة الرئيس 'أبو العبد' إسماعيل هنيه قد يُقال لي: لماذا ترسل هذه الرسالة إلى الأستاذ إسماعيل هنيه وهو رئيس حكومة مقالة أدت ما عليها وانتهى دورها , وها هو الحراك السياسي العالمي والإسلامي والعربي لا يعترف بها اليوم ولا يتواصل معها ؟وجوابي الذي لا أتردد فيه أن الأستاذ إسماعيل هنيه لا يزال يشغل منصب رئيس حكومة تسيير أعمال على الأقل وذلك وفق معرفتي بالقانون الأساس الفلسطيني وفهمي له , ولا يزال يحظى بثقة المجلس التشريعي الفلسطيني , ولا يزال يحظى بتواصل دبلوماسي رسمي مع كثير من الحكومات الإسلامية والعربية والأوروبية , ولا يزال يرعى حياة مليون ونصف مليون فلسطيني رغم الحصار الخانق لهم في قطاع غزة , ولا أبالغ إذا قلت أنه ورغم هذا الحصار الاحتلالي الأمريكي - الإسرائيلي فقد نجح بالالتحام مع هموم الرضيع الفلسطيني والطفل الفلسطيني والفتى الفلسطيني والشاب الفلسطيني والرجل الفلسطيني والمرأة الفلسطينية والعجوز الفلسطينية والشيخ الفلسطيني .
ولذلك فإن الحقيقة يجب أن تقال : أنت أيها الأستاذ أبو العبد لا زلت رئيساً لحكومة فلسطينية شرعية وان كانت حكومة تسيير أعمال , وهذا ما جعلك تحمل تبعة ثقيلة وأمانة غالية ألا وهو حمل الهَمّ الفلسطيني والهمة الفلسطينية والألم الفلسطيني والأمل الفلسطيني والجرح الفلسطيني والطموح الفلسطيني المنزرع في ضمير شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وأكناف القدس وكل مواقع التغريبة الفلسطينية في كل العالم , والمنزرع في ضمير كل أسير فلسطيني وكل جريح فلسطيني وكل يتيم فلسطيني وكل أرملة فلسطينية وكل مطارد فلسطيني وكل لاجئ فلسطيني , ولان قواعد شريعتنا السمحاء تقول لنا :
' ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ' ولان واجبك يملي عليك أن تواصل الإحاطة - رعاية ومسؤولية - بكل فلسطيني وكل فلسطينية حيثما كانوا فهذا يتطلب منك أكثر من غيرك بألف مرة ومليون مرة أن تواصل تجديد الحوار الفلسطيني والعمل على وحدة البيت الفلسطيني بكل أطيافه السياسية والدينية في كل مكان والإصرار على هذه الوحدة التي لن يهدأ لها بال حتى زوال الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وأكناف القدس وحتى عودة آخر لاجئ فلسطيني إلى أرضه وبيته ومقدساته , وحتى تحرير آخر أسير فلسطيني من سجون الاحتلال الإسرائيلي .
رغـــــم الزندقــــــــــة السيــــــــاسية
أنا أعلم أننا نعيش في زمن حقبة الزندقة السياسية المؤقتة التي ترعاها أمريكا , ولولا هذه الحقبة الصليبية العمياء الصماء الخرساء لكنت يا سيادة الرئيس أبو العبد تواصل رعاية الرعية الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية سواء بسواء , وفي قطاع غزة والقدس وأكناف القدس سواء بسواء , ولكنها هي هذه الحقبة حقبة الزندقة السياسية التي صفقت للانتخابات عندما أفرزت ارئيل شارون رئيساً للحكومة الإسرائيلية وهو جَزّار صبرا وشاتيلا وتل الزعتر ومخيم جنين !! وهي التي صفقت للانتخابات عندما أفرزت مناحيم بيجن رئيساً للحكومة الإسرائيلية وهو جَزّار دير ياسين وقبيا ومسجد دهمش !! وهي التي صفقت للانتخابات عندما أفرزت إسحق شمير رئيساً للحكومة الإسرائيلية وهو الذي كان مطلوباً للعدالة على عهد الاستعمار البريطاني الزائل غير المأسوف عليه في هذه الديار !! لماذا ؟ لأن الزندقة الأمريكية السياسية تصر على احترام إرادة الشعب الإسرائيلي وحق اختياره مهما كانت النتيجة حتى لو أفرزت هذه التشكيلة من الجَزّارين !! وفي نفس الوقت هي الزندقة الأمريكية السياسية التي تصر على مصادرة إرادة شعبنا الفلسطيني والدوس عليها , ومصادرة حق اختياره والدوس عليه , ولتذهب الديمقراطية للجحيم في حسابات هذه الزندقة الأمريكية السياسية إذا كانت تعني احترام إرادة الشعب الفلسطيني وحق اختياره !! ولتذهب كل نتائج انتخابات فلسطينية إلى الجحيم إذا أفرزت ما لا تشتهيه رياح الشر الأمريكية !! وللحقيقة أقول يا سيادة الرئيس أبو العبد أنا لا اعتب على أمريكا ولا أقول أنها تكيل بمكيالين وتزن بميزانين بل إنها تكيل بمكيال واحد ألا وهو مكيال الزندقة الأمريكية , وتزن بميزان واحد ألا وهو ميزان العربدة الأمريكية , ورغم كل هذا العلو الأمريكي في الأرض فلا زلت أنت مطالبا بالتصدي لهذه الزندقة الأمريكية السياسية التي لا تزال تستهدف إرادة الشعب الفلسطيني وحق اختياره !!
رغم أكله خبز السلطان
عتبي يا سيادة الرئيس على البعض من بني جلدتنا ممن انزلقت مواقفهم وراحت تتماهى من حيث يشعرون أو لا يشعرون مع الزندقة الأمريكية السياسية !! عتبي عليهم وقد انزلقت أقلامهم وراحت تتماهى من حيث يريدون أو لا يريدون مع الزندقة الأمريكية السياسية !! عتبي عليهم وهم الذين كانوا فوق الشبهات طوال الوقت , وكانت مواقفهم فوق الشبهات , وكانت أقلامهم فوق الشبهات , ولكن فجأة انزلقوا وتم استدراجهم إلى مصيدة الزندقة الأمريكية السياسية , فصاروا يطلون علينا بمواقف تصادم كل المصادمة الدور الذي عهدناهم عليه , وصارت أقلامهم تطل علينا بمقالات مستهجنة تصادم كل المصادمة ما دبجوه في الماضي من تنظيرات ونظريات وما كانوا قد باحوا به من مواجهات للإمبريالية الأمريكية على حد تعبيرهم هم , وللشوفونيه الأمريكية على حد تعبيرهم هم , وللطبقية الأمريكية على حد تعبيرهم هم , عتبي عليهم وقد راحوا يسفهّون 'المقاومة الفلسطينية' محاولين عبثا تحريف كلمة 'مقاومة' إلى 'مقاولة' أو إلى 'مقابلة' أو إلى 'مقايضة' أو إلى 'مغازلة' أو إلى 'مناقصة' , ومن اجل ذلك كانوا ولا يزالون جاهدين ليّ عنق الكلمات علّ ذلك يجديهم ويشرعن لهم مساندة كل مقاومة ضد أي احتلال في الأرض إلا المقاومة الفلسطينية !! لماذا ؟ لا ادري !! وقد ادري ولكن ليس هذا هو وقت الحديث عما ادري !! ومع ذلك لا أزال اطمع منهم أن يراجعوا حساباتهم ومواقفهم وأقلامهم عَلـّهم يدركون خطورة انزلاقهم , ولا زلت اربأ بهم أن يكونوا من القوم الذين رضوا أن يستظلوا في افياء المثل القائل : 'من أراد أن يأكل من خبز السلطان فليحارب بسيفه' واربأ بهم أن يكونوا من أنصار المثل القائل : ' اطعم الفم تستحي العين' .
وعليه فاستقم كما أمرت
نعم يا سيادة الرئيس 'أبو العبد' استقم كما أمرت وَعضّ بنواجذك على تقرير لجنة الرقابة وحقوق الإنسان في المجلس التشريعي والمكونة من أعضاء يتبعون لحركة حماس حيث وجهت عبر تقريرها نقداً لوزارة الداخلية المقالة بسبب إغلاق ومصادرة مؤسسات وجمعيات أهلية موالية لحركة فتح , مطالبة إياها بالوقف الفوري لجميع القرارات والإجراءات المخالفة للقانون , كما طالبت في تقريرها وزارة الداخلية المقالة منع تدخل أي مجموعات مسلحة من خارج الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية في الحياة المدنية الفلسطينية . وكم هو جميل أن تعترف مؤسسة 'هيومان رايتس ووتش ' في تقرير لها نُشر يوم الأربعاء الموافق 30/7/08 إن مسؤولين من حماس في غزة أبلغوها أنهم عاقبوا أو اتخذوا إجراءات تأديبية ضد أكثر من 700 ضابط جراء انتهاك حقوق المحتجزين , وهذا يعني أن لا أحد من المجتمع الفلسطيني فوق القانون الفلسطيني , وهذا يعني أن أبناء المجتمع الفلسطيني يجب أن يكونوا سواسية كأسنان المشط !! وكم هو جميل أن تصغي بانشراح صدر لما قاله الدكتور عبد الستار قاسم حول جريمة التفجير والقتل الأخيرة التي وقعت في شاطئ غزة , والتي راح ضحيتها ستة أفراد بينهم خمسة من كتائب القسام , قال الدكتور عبد الستار قاسم حولها : من قام بهذا العمل كان على وعي لماذا قام بهذا العمل الذي كان القصد من ورائه إثارة الفتنة المرعبة من جديد في الساحة !! ومن الممكن أن تكون إسرائيل هي من وراء هذه العملية , وقد تعجلت حماس في حكمها على الأمور , فكان من المفروض أن تتريث وتعطي التحقيق أن يأخذ مجراه اللازم . ولا تنسى يا سيادة الرئيس أبو العبد تصريحات إيهود باراك وزير الجيش الإسرائيلي قبل عدة أشهر والتي كشف فيها أن جيشه يقوم بتنفيذ عمليات انتقامية داخل قطاع غزة دون الإعلان عنها .
ماذا يقول الأسير احمد سعدات
قبل أسبوع بالضبط قامت صحيفة 'العنوان الرئيسي' مشكورة بنشر النص الكامل لرسالة مطولة كان قد أرسلها من سجنه الأسير احمد سعدات , وقد قرأت الرسالة بأكملها ووجدت فيها الشيء الكثير الجدير بالقراءة مع الـتأكيد انه ليس من الضرورة الموافقة على كل شيء , قد ورد فيها :
' وعلى مستوى المواجهة الإستراتيجية فقد انخفض سقف المطالب الفلسطينية من التحرير الشامل للأرض من النهر وحتى البحر والهبوط إلى قبول الدولة الفلسطينية على اقل من 22% من مساحة فلسطين التاريخية , مع الاستعداد لمقايضة أجزاء منها تصل إلى 3% وتعادل مساحة ما سمي بالكتل الاستيطانية الكبرى مضافاً لكل ذلك القبول الفلسطيني بالصيغة الواردة في المبادرة العربية حول حق العودة التي تجعل من التوافق الإسرائيلي - الفلسطيني أساساً لتفسير نصوصه وتطبيق ما يُتفق عليه , الأمر الذي يضع علامات استفهام حقيقية حول جدية تمسك الطرف الفلسطيني المتنفذ بحق العودة , واعتباره خطاً احمر لا يمكن تجاوزه أو القفز عنه , وما يعزز هذه الهواجس أو المخاوف الموقف الرسمي الملتبس مما يُسمى بوثيقة جنيف التي طرحت كل الخيارات لحل مشكلة اللاجئين باستثناء حق العودة إلى الديار التي شردوا وطردوا منها'.
وحول الموؤودة أوسلو غير المأسوف عليها يقول الأسير احمد سعدات في رسالته : ' هذا الاتفاق الذي جاء في نصوصه ومرجعياته وتطبيقاته اللاحقة غامضاً لا يفتح آفاقاً واضحة لتطور سلطة الحكم الذاتي كثمرة مباشرة له إلى دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة غير منقوصة وتحقيق الثوابت الوطنية , أو فيما بعد في محاولة نفس القيادة توظيف إنجازات الانتفاضة الثانية في مشروع خارطة الطريق التي جاء سقفها أكثر انخفاضا من سقف أتفاق أوسلو مع تثبيت المدخل الأمني في تناول الموضوع الفلسطيني , ووضع ما سمي باحتياجات إسرائيل الآمنة مرجعية حاسمة ومقررة لمسار المفاوضات ونتائجها فيما بعد بمعزل عن هذا التوظيف القاصر لتضحيات شعبنا ومقاومته الباسلة ' ثم يقول الأسير احمد سعدات في سياق رسالته : ' وما دام لدينا الاستعداد للتفاوض مع إسرائيل أو إبرام اتفاقات تهدئة معها فالأجدر أن يسبق ذلك تهدئة داخلية بوقف التحريض المتبادل ووقف الانتهاكات للحريات العامة والإفراج عن المعتقلين لدى كلا الجانبين والشروع بحوار وطني جدي لتجاوز حالة الانقسام المدمرة التي باتت تهدد مستقبل شعبنا الفلسطيني ........' ثم يقول الأسير احمد سعدات في سياق رسالته : ' واعتقد أن مفتاح تحقيق وانجاز ترتيب بيتنا الداخلي على أساس متين وثابت يتمثل بتنفيذ اتفاق القاهرة الذي أصبح جزءاً رئيسياً من ثوابت التوافق الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير وانتخاب مجلسها الوطني , فتنفيذه ليس فقط معياراً لجدية أي فصيل حول تحقيق الوحدة بل أيضا مقياس لمدى تمسك هذا الطرف أو ذاك بحق العودة بما يمثله من مكانة كجوهر لقضيتنا الوطنية وجسر للربط بين حقنا الوطني في الاستقلال وتقرير المصير وحقوقنا التاريخية في فلسطين ' .
سيادة الرئيس أبو العبد أنا على يقين انك لست غافلاً عن الأثر القائل :' الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ' .
برقيات على لسان د. غازي حمد
استوقفتني جمل قالها د. غازي حمد خلال حوار أجرته معه صحيفة العنوان الرئيسي فرأيت من المناسب أن اقتبس بعضها وان أدرجها في هذه الرسالة , ولنا يا سيادة الرئيس أبو العبد القدوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يقول : ' أشيروا عليّ يا معشر الأنصار ' , وها هو د. غازي حمد يشير علينا جميعاً عبر هذه النخبة من البرقيات التي وردت في ذاك الحوار بتاريخ 1/8/2007م وهذه نماذج منها :
1. ' إما الحوار وإما الدمار ولا مجال لخيارات متعددة , فالواقع الفلسطيني المأساوي سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة يملي أن يكون الحوار هو الخيار الأول والأخير' .
2. ' نأمل البدء بمصالحة أو حوار وطني ليشكل قفزة نوعية بدل من الغرق في السجال الكلامي والاتهامات المتبادلة '.
3. ' الأمل في عقد الحوار ونجاحه باقٍ , كون الحوار مطلب الشعب الفلسطيني بأسره الذي كَلّ الانقسام وحالة الشرذمة والفرقة والصراع , إن هدف الشعب أعلى من قامة أي فصيل أو حزب , يجب أن يستمع قادة حماس وفتح لصفوف الشعب ' .
4. ' بقاء الانقسام يعني أن كل القضايا تتحول إلى أزمة سواء المعابر , التهدئة , تبادل الأسرى , أو غيرها , الانقسام هو أساس كل الشرور والأزمات , لو كان هناك توافق فلسطيني بالإمكان فتح معبر رفح غداً , في ظل حالة الانقسام وغلبة المناكفة السياسية سنواجه أزمة والذي يدفع الثمن هو الشعب الفلسطيني' .
5. ' الأساس أن يكون هناك مشروع وطني واحد , يشمل وحدة الوطن والمشروع , قطاع غزة ليس محتكراً من قبل حماس , والضفة الغربية ليست محتكرة من قبل فتح , ولا بد من الحديث الآن عن الوحدة الوطنية . بقاء الانقسام يعني إعطاء فرصة اكبر لإسرائيل لتنفيذ مشاريعها الاستيطانية والاستعمارية في الضفة الغربية وقطاع غزة ' .
سيادة الرئيس أبو العبد ليس المهم من هو القائل بل المهم ما هي هذه الأقوال ؟! ومهما كانت هذه الأقوال فأنت مطالب بالإصغاء لها مرة بعد مرة , ثم الأخذ بكل حكمة فيها , وكل منطق سديد ورأي سويّ فيها , وهذا ما يجعلني اذكر مرة أخرى بالأثر القائل : ' الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ' , مع يقيني التام أن الحصار مهما ضاق وان الأزمة مهما تفاقمت وان الاحتلال الإسرائيلي مهما تنفش وان الزندقة الأمريكية مهما طغت فنحن على موعد مع الدولة الفلسطينية الواعدة وعاصمتها القدس الشريف .


