الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 01:33 م

الأخبار

في ذكرى اغتياله.. محمد الضيف؛ الظل الخالد

حجم الخط
غزة – صوت الأقصى

مرّ عام على ذلك اليوم الذي حاول فيه الاحتلال أن يحتفل باغتيال أسطورة، فوجد نفسه وجهاً لوجه أمام ما خلّفه الضيف من إرث لا يُغتال. محمد الضيف، أو كما أحبّ أبناء شعبه أن يلقبوه (الضيف الذي لا يُغادر إلا ليعود)، رحل جسدًا، وبقيت قضيته تسري في العروق والبيارات والمخيمات وبين بنادق المجاهدين.

رحل محمد الضيف، لكنّه لم يُغادر ميادين القتال، بل أورث البطولة لمن تبقّى من رجاله الذين لا يزالون يقاتلون بشراسة، ويكملون الدرب ذاته الذي شقّه بيده الواحدة وبصبره الحديدي. بعد عامٍ على ارتقائه، لم تنكس راية، ولم تخمد جبهة، بل ازداد لهيب المقاومة اشتعالًا، وكأن استشهاده كان نفخة جديدة في روح من بقي.

كان الضيف رجل المرحلة وظلّها، القائد الذي لم يعرف المكاتب، بل نحت قيادته بين أنفاق العزائم، وتحت دخان الصواريخ، وعلى أنقاض البيوت الصامدة. واليوم، في ذكراه، لا نبكيه بقدر ما نُجدد العهد على خطاه: أن لا مساومة، ولا انكسار، ولا تصالح مع الذلّ.

 رجل من نار وصمت

محمد الضيف لم يكن قائدًا تقليديًا، لم يبحث عن الأضواء، ولم يحمل هاتفًا يومًا، بل كان رجلًا تسكنه القضية حتى نخاع العظم. عاش متخفيًا، يحيط به الصمت، ويقود من الظلال، لكنه كان حاضرًا في كل صاروخ، وكل نفق، وكل عملية قلبت الموازين.

اغتياله لم يكن ضربة استخباراتية بقدر ما كان إعلان إفلاس أخلاقي وعسكري لكيان لم يعرف كيف يهزم رجلًا بيد واحدة، ورجلًا بعين واحدة، لكنه كان يملك رؤية لا تُقهر.

 استُشهد ألف مرة

منذ محاولة الاغتيال الأولى عام 2001، والضيف ينجو، لا لأن الحظ يحالفه، بل لأن مهمته لم تنتهِ. كل شظية في جسده كانت شهادة على إخلاصه، وكل جرح كان توقيعًا على عهد قطعه مع الله: (لن نُسلّم، ولن ننسى، ولن نصالح).

وفي العدوان الأكبر، معركة (طوفان الأقصى)، كان صوت الضيف هو أول ما سمعه الفلسطينيون. لم يكن نداء حرب فحسب، بل إعلان ميلاد مرحلة جديدة. قائد لم يظهر للكاميرات، لكنه فجّر كل شاشات العدو.

رفقاء الشهادة

معه ارتقى القادة: مروان عيسى، غازي أبو طماعة، رائد ثابت، رافع سلامة.. جميعهم شكّلوا "عقل" كتائب القسام، و"قلب" المواجهة. لم يكونوا موظفين في جهاز عسكري، بل رجالًا نذروا أنفسهم لوطنٍ محاصرٍ بالحزن والأمل.

هؤلاء لم تُغتل سيرتهم، بل تحولت إلى مناهج تُدرّس في الخنادق، وتُحفظ في ذاكرة الأجيال.

كيف رآه العدو؟

في تقارير الاحتلال، وُصف الضيف بـ"الشبح الذي يطاردنا في كل معركة"، وبـ"الرجل الأخطر على الأمن الإسرائيلي"، لقدرته على التخفي وقيادة العمليات المعقدة دون أن يُمسك له أثر.

قال أحد القادة العسكريين الصهاينة ذات يوم:

 "لا نملك صورة واضحة له، ولا نعرف أين يعيش، لكن كل ما يحدث في غزة يحمل بصمته".

أما أحد كبار معلّقي الأمن في الإعلام العبري فكتب يومًا:

 

 "لا نصدق خبر استشهاده حتى نرى جثته، لأننا أعلنا اغتياله من قبل، لكنه يعود دائمًا كأن الموت لا يعرف له طريقًا".

رحيل أسطورة..

برحيل محمد الضيف، تطوى صفحة من أعظم صفحات المقاومة الفلسطينية، لكنها لا تُغلق. فقد مضى الجسد، وبقيت الحكاية، وبقي النهج متقدًا في عزيمة المقاومين، المتسلحين بإرث قائد لم يعرف التراجع، ولم يترك خلفه فراغًا، بل زرع قادة وأفكارًا ومنهجًا لا يموت.

لم يكن الضيف مجرّد اسم في بيانات المعارك، بل كان روحها وعقلها وقلبها. رجل تجاوز حدود الجغرافيا، وحوّل غيابه عن العلن إلى حضور طاغٍ في الميدان. قائدٌ آمن أن الطريق إلى القدس لا يُعبَّد إلا بالتضحيات، فمشى فيه حتى النهاية، بثباتٍ نادر، وعزيمة لا تنكسر.

سيبقى محمد الضيف حيًا في ذاكرة فلسطين، وفي وجدان كل من آمن بأن الحرية تستحق، وأن الدماء التي تروي الأرض تصنع التاريخ. رحل الأسطورة، لكن الأساطير لا تُدفن.

المصدر: الرسالة نت