حذّر المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، في بيان رسمي، من دخول الوضع الإنساني في القطاع مرحلة الانهيار الكامل، وسط تدهور كارثي غير مسبوق في مختلف مناحي الحياة، بفعل الحصار المشدد الذي تفرضه قوات الاحتلال الصهيوني، ومنع دخول المساعدات الإنسانية منذ أكثر من شهر ونصف بشكل متواصل ومتعمد.
وأكد البيان أن قطاع غزة يعيش كارثة إنسانية حقيقية ومجاعة واضحة تهدد حياة أكثر من 2.4 مليون إنسان، في مقدمتهم أكثر من 1,100,000 طفل يعانون من سوء تغذية حاد في ظل غياب الغذاء وشح المياه وانهيار شبه تام للمنظومة الصحية وحرمان السكان من الحد الأدنى لمقومات الحياة.
وأشار البيان إلى أن الطوابير الطويلة أمام ما تبقى من نقاط توزيع الطعام أصبحت مشهداً يومياً مأساوياً في جميع المحافظات، بعد أن استهدف الاحتلال أكثر من 37 مركزاً لتوزيع المساعدات و28 تكية طعام، ضمن خطة ممنهجة لفرض سياسة التجويع كأداة حرب ضد المدنيين.
المرافق الخدمية والإنسانية في قطاع غزة على وشك الانهيار الكامل، حيث تعمل المستشفيات بقدرات محدودة جداً دون أدوية أو وقود، ومن المتوقع أن تتوقف عن العمل خلال أسبوعين في حال استمرار منع دخول الوقود.
كما توقفت المخابز لعدم توفر الدقيق ومصادر التشغيل، وتوقفت محطات المياه، وخاصة التحلية، بسبب انقطاع الكهرباء المتعمد، ما يُنذر بوقوع وفيات جماعية في أي لحظة بسبب الجوع، ونقص الرعاية الصحية، وانتشار الأمراض.
وفي ظل هذا الواقع، دعا المكتب الإعلامي الحكومي المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف جريمة الإبادة الجماعية وإنهاء الحصار، معتبراً أن الصمت الدولي على ما يجري تواطؤ غير مقبول وشراكة مباشرة في الجريمة.
في السياق ذاته، أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة تقريراً إحصائياً جديداً أظهرت فيه أن عدد الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات خلال 24 ساعة الماضية بلغ 25 شهيداً، بينهم 3 تم انتشالهم، إضافة إلى 89 إصابة جديدة، في وقت لا تزال فيه طواقم الإسعاف والدفاع المدني عاجزة عن الوصول إلى عدد من الضحايا تحت الأنقاض وفي الشوارع.
وبذلك ترتفع حصيلة العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 51,025 شهيداً و116,432 إصابة، فيما بلغت الحصيلة منذ 18 مارس 2025 فقط نحو 1,652 شهيداً و4,391 إصابة.
ودعت وزارة الصحة ذوي الشهداء والمفقودين إلى استكمال بياناتهم عبر الرابط الإلكتروني الرسمي لتحديث سجلات الوزارة.
وفي تطور خطير يعكس نية مبيتة لتجويع سكان القطاع، أدلى كل من وزيري الجيش والأمن القومي الصهيونيين بتصريحات تؤكد التوجه الرسمي نحو استخدام سياسة التجويع كسلاح حرب.
فقد أعلن وزير الجيش الصهيوني "يسراييل كاتس" أن الاحتلال لن يسمح بدخول أي مساعدات إنسانية إلى غزة، في إطار خطة لزيادة الضغط على حركة حماس، مشيراً إلى نية الاحتلال إقامة بنية تحتية لتوزيع المساعدات مستقبلاً مع فتح باب "الهجرة الطوعية" لسكان القطاع.
أما وزير الأمن القومي المتطرف "إيتمار بن غفير"، فقد وصف هذه الخطوة بأنها "حمقاء"، واعتبر أن وقف إدخال المساعدات هو الأداة الأهم لإجبار حماس على الاستسلام، وقال: "استئناف المساعدات سيكون خطأً تاريخياً".
تصريحات الوزراء الصهاينة قوبلت بردود فعل غاضبة من شخصيات قانونية وحقوقية دولية، حيث وصف المحامي الحقوقي فريد الأطرش هذه التصريحات بأنها "تحريض صريح على الإبادة الجماعية"، مؤكداً أن الاحتلال بات يعلن نواياه الإجرامية بكل وضوح في ظل صمت المجتمع الدولي.
ومن جانبه، شدد الخبير في القانون الدولي أنيس القاسم على أن هذه التصريحات تشكل دليلاً قاطعاً على نية ارتكاب جريمة إبادة جماعية، مشيراً إلى أن حرمان مليوني مدني من الغذاء والدواء والكهرباء هو جريمة حرب موصوفة بموجب القانون الدولي.
وفي تصريح مماثل، أكد أستاذ القانون الدولي محمد مهران أن ما جاء على لسان بن غفير يُعد اعترافاً علنياً بارتكاب جريمتين من الجرائم الخمس المكونة لجريمة الإبادة الجماعية، وفق اتفاقية 1948، وهما: إخضاع السكان لظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم جزئياً أو كلياً، وإلحاق ضرر جسدي أو نفسي جسيم بأفراد الجماعة.
وأوضح أن هذه التصريحات تنتهك بوضوح المادة 54 من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف، كما تُعد جريمة حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث تُعد سياسة تعمد تجويع المدنيين عبر حرمانهم من المواد الأساسية جريمة موصوفة.
ودعا مهران المحكمة الجنائية الدولية إلى التحرك الفوري، مؤكداً أن هذه التصريحات تمثل أدلة قانونية موثّقة صادرة عن مسؤولين رسميين يمتلكون سلطة مباشرة على القوات الميدانية، ما يجعلهم مسؤولين جنائيًا عن أي جرائم تُرتكب بناءً على هذه السياسات.
تأتي هذه التصريحات في وقت تعثرت فيه مفاوضات التهدئة، فيما تُحذّر منظمات أممية من تداعيات إنسانية كارثية، مع تجاوز نسبة من يعانون من انعدام الأمن الغذائي في غزة حاجز 90%، وسط تخوفات جدية من وقوع موت جماعي خلال الأسابيع المقبلة إذا لم يتم كسر الحصار فوراً.

