الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 02:41 م

مقالات وآراء

محمد بلور

مراسل إذاعة صوت الأقصى
عدد مقالات الكاتب [24 ]

هل إسرائيل على أعتاب عصيان عسكري؟

حجم الخط

يتدافع الموقعون على عريضة إسرائيلية تطالب بإعادة المختطفين وإنهاء الحرب كما يتدافع النمل على إناء العسل, ها قد حشد وجند "نتنياهو" رئيس حكومة إسرائيل كامل مقدرات الدولة وأحزاب المستوطنين والمتطرفين خلفه في حرب بلغت 555 يوم من عمرها فما الذي حصل؟ مقتل عشرات الرهائن والمختطفين ومواصلة جرائم القتل والتدمير في قطاع غزة دون أن يحرز نصره المطلق الذي وعد به جبهته الداخلية.

بدأت القصة بتوقيع العشرات من جنود وضباط سلاح الطيران على عريضة تقول إن الضغط العسكري الذي يمارسه الجيش في عدوان غزة يتسبب في مقتل الرهائن والمختطفين لدى حماس مشددين على ضرورة إنهاء المسألة والوصول لحل أو اتفاق ينهي الأزمة, تدحرجت كرة الثلج بعد ذلك وانضم آخرون من مؤسسات عسكرية وأمنية مهمة داخل إسرائيل فانضم بالتوقيع على العريضة 250 عنصر من الموساد و3 رؤساء سابقين للموساد ثم 2000 أكاديمي ومئات الجنود و100 طبيب عسكري من الاحتياط في وحدة الاستخبارات العسكرية 8200.

حين فصل رئيس الأركان في بداية القضية الضباط وجنود الاحتياط الموقعين على العريضة ومنهم قائد سابق في سلاح الجو وقائد سابق في الطيران المدني تحوّلت المسألة بعكس ما أراد فانتشرت رغبة التوقيع إلى مؤسسات أمنية وعسكرية وكأنه منح مرادهم حقنة تشجيع ولم يردعهم.

العصيان المدني أو العسكري إن وقع فهو مسألة مستجدة وليست سهلة في أوقات الحروب التي اعتادت فيها إسرائيل تسخير كامل طاقاتها وإمكاناتها لترمي خصومها العرب عن قوس واحدة فماذا لو كانت "الحرب عن حماية البيت" كما أسماها "نتنياهو" مطلع الحرب في 7 أكتوبر 2023م.

تطورات التوقيع على عريضة تدعو لإنهاء أزمة المختطفين والرهائن واستبدال الضغط العسكري الذي لم يفض إلى شيء عملي بالوصول لاتفاق وحل ينهي حرب غزة وأزمة المختطفين تمضي بشكل دراماتيكي يعارضه "نتنياهو" الذي سحب إسرائيل بكامل جيشها ومواطنيها للمجهول.

لو كان "نتنياهو" يخفي الحل في عمق صدفة بقعر البحر المظلم لآن الأوان أن ينتشله ويحرر الحل أمام معضلة بدأت تصل بقناعة سكان إسرائيل لم تمتد الحرب لهذا الوقت الطويل لكن حساباته السياسية الشخصية والتي يحاول بها الهروب من ارتداء البزة الزرقاء في قفص الاتهام وإطالة عمر حكومته المتطرفة هي السبب الحقيقي وراء امتداد الحرب لما لانهاية.

المؤسسة العسكرية في إسرائيل تحظى بخصوصية فريدة فقادتها ساهموا في تأسيس الدولة منذ بدأوا العمل في العصابات الصهيونية مثل "شتيرن-الهاجاناه-الأرجون" وثقافة الأمن جزء أصيل من أولويات إسرائيل كدولة وعادة القادة العسكريون يؤثرون باتصال ممتد في صنع القرار السياسي منذ أن أقامت الصهيونية وطناً قومياً لليهود عام 1948م فوق أرض فلسطين التاريخية.

اعتمدت الصهيونية من قبل عام 1948م على العمل العسكري المسلح في زمن العصابات الصهيونية التي تلقت تدريباً ودعماً من الانتداب البريطاني, في كل مراحل صراع إسرائيل مع خصومها ومحيطها العربي كان العسكر حاضرين بقوة في القرار والصراع لذا لا يمكن القفز عنهم في أي محطة.

في المقابل فإن زيادة الانضمام للعريضة من قبل أقطاب وأفراد في مؤسسات إسرائيل يزيد من خطورة المشهد على حكومة "نتنياهو" التي عقدت زواج مصلحة بين "نتنياهو" و"بن غفير وسموتريتش" حتى يضمن استمرارها وهي يداعب أقطاب اليمين واليمين المتشدد لكن القضية بدأت تتجاوز حسابات "نتنياهو" السياسية التي امتدت لسنة ونصف.

الوجه الآخر فيما يجري يتجسد في زيارة وشيكة لـ"ترامب" رئيس الولايات المتحدة الوشيكة إلى المنطقة وأهم محطاتها المملكة العربية السعودية معلناً عن نيته دفع عجلة التطبيع بين إسرائيل والسعودية ولذلك مآلات وارتدادات تتعلق بملف حرب غزة فهو لا يريد منغصات لزيارته على مبدأ المقاول الذي يريد لكل شيء أن يتم بسرعة كسباً للوقت والمال.

ولم تصل حوارات القاهرة بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية لشاطئ الأمان بعد إذ لا تزال إسرائيل ترفض الحديث عن وقف حالة الحرب وهو ما تشدد عليه حماس بينما تبقى مسألة عدد المنوي الإفراج عنهم من جنود للاحتلال ليست معضلة إن توفرت النية لتجاوز عقبة البدء في المرحلة الثانية والحديث عن وقف الحرب والانسحاب من غزة.

لا تراكم حكومة "نتنياهو" التي يشن جيشها ومؤسساتها العسكرية منذ سنة ونصف سوى المزيد من الفظائع في سجل المجازر الدسم الذي بدأ يصل بقادة إسرائيليين إلى محافل القضاء الدولي ومؤسسات تلاحق مرتكبي جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وهم يتحدون بسفور القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني معتمدين على تحالف مع إدارة "ترامب" في البيت الأبيض.

ومن الأرجح أن يستمر "نتنياهو" في تزعم الرفض الإسرائيلي لإنهاء حالة الحرب كي يضع العصي في الدواليب لأي هدنة وشيكة بينما يرجح أيضاً انضمام مزيد من القادة والضباط والجنود لعريضة وقف الحرب ومطالبات إعادة المختطفين وسط جرائم وقصف وتدمير يكون الجندي الإسرائيلي فيها آمن مقابل 2 مليون وربع فلسطيني أعزل لا يفعل شيء سوى تلقي صواريخ وذخيرة الولايات المتحدة الأمريكية بجسده العاري.