السبت 16 يناير 2021 الساعة 02:34 ص

مقالات وآراء

الخطأ لا يبرر الخطيئة

حجم الخط

قرات وسمعت الكثير في الايام الأخيرة حول اللغط الذي أحدثه تعميم ادارة الوعظ والإرشاد التابعة لوزارة الاوقاف في غزة بخصوص احتفالات أعياد الميلاد المجيد وما هو معروف بالانجليزية "بالكريسماس". واضح أن التعميم كتب بصيغة حمالة أوجه، أحدثت لغطا كثيرا وتشويشا على سلامنا المجتمعي، ولكنهم في الوزارة صدّروا، مشكورين، أكثر من موقف لتوضيح مآلات هذا التعميم الداخلي وأهدافه، وأنّه قطعا لم يقصد الإساءة للعلاقة الراسخة والمتينة بين كل مكونات شعبنا الفلسطيني، وفي مقدمتهم المسلمين والمسيحيين، أو التضييق على احتفالاتهم وطقوسهم بمناسبة الاعياد، وتبع ذلك العديد من الأنشطة لتاكيد هذه المعاني السامية، فكانت الزيارة الى كنيسة دير اللاتين بغزة لتهنئة الاب جبرائيل رومانيلي بالسلامة بعد رحلة علاج خارج قطاع غزة، وشاركت فيها وزارة الاوقاف بوفد رفيع المستوى، وكانت من أجمل وأدفأ الزيارات التي شاركت فيها منذ سنوات.
اعتقدت أن هذا الحدث العابر قد تجاوزناه، وانتصرت روح الوحدة والتعايش ومعاني الأخوة والتقدير المتبادل على نزعات الفتنة أو دعوات الفرقة، ولكنني فوجئت بعدها بعدد من المقالات والاحداث يعيد نكأ الجراح وخلط الأوراق. لعل ذلك متوقعا في أي مجتمع بشري، يقوم على التعايش رغم الاختلاف، فهذه إرادة الله عز وجل "{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ"، ولكن ما استوقفني، بل وصدمني، أن تصدر بعض هذه المقالات والتصريحات، ليس عن أشخاص هامشيين أو معروفين بتطرفهم، بل عن قامات وطنية وشخصيات محترمة لها دورها المشهود في تعزيز الوحدة ومكانتها المحفوظة في مجتمعنا الفلسطيني، في كل مواقع تواجده في الداخل والشتات، من أمثال الأب عطا الله حنا والاب ابراهيم فلتس والمحامي المعروف جواد بولس. وهنا ساتوقف قليلا، لاهمية وخطورة ما نشره الاستاذ جواد في مقالة له في جريدة القدس يوم السبت الموافق ٢٦ ديسمبر. أتفق معك استاذ جواد في معظم ما قلته في مقالك، واستشعرت جمال وألق الكلمات التي تصف فيها تاريخ الوجود المسيحي في فلسطين، سواءاً في بعده الديني أو بعده الوطني، ونعتز كمسلمين بهذا التاريخ والتنوع، وأن فلسطين عنوانا مركزيا لاهم ديانتين على وجه الأرض. ولكن ما استوقفني حقا هو ربطك المجحف والظالم بين التطورات السلبية المؤلمة التي عاشها المجتمع المسيحي في فلسطين على مدار عقود في ظل الاستعمار الغربي والاحتلال الصهيوني، بظهور "حركات الاسلام السياسي"، حسب توصيفك، فقلت: "لم تقتصر معاناة الفلسطينيين المسيحيين تاريخيًا على مواجهة ذينك العدوّين، الخارجي الاستعماري والاسرائيلي العنصري، بل بدأوا يعيشون، منذ أربعة عقود، تداعيات هواجس وجودية مستجدة وارهاصات حالة من التناقضات الحقيقية داخل مجتمعاتهم، وذلك بعد تنامي قوة بعض الحركات الاسلامية السياسية وتغلغل افكارها الدينية الاقصائية في مفاصل الحياة اليومية، مما دفع بابناء الاقلية المسيحية الاصلانية الى فقدان الثقة بمستقبل كانت ستحميه وتؤمنه العباءة الفلسطينية الجامعة، وكي لا افهم خطأ، فلقد بدأت مشكلة المسيحية المشرقية قبل نشوء هذه الحركات الاسلامية، لكنها تفاقمت مع زيادة قوتها وبسط سيادتها في بعض الدول العربية وفي قطاع غزة، ونتيجة لتصرفات بعض اجنحتها وفق مفاهيم عقائدية دلت على رفض قادتها لاحترام مبدأ تكاملية انساغ المجتمع الواحد واصرارها على فرض قوانين الشريعة الاسلامية وفق تفسيراتها الاصولية، على جميع المواطنين". كنت أتمنى ان تعزز استاذ جواد هذا الاستنتاج المجحف وغير الموضوعي بأحداث أو كتابات لقادة الحركة الإسلامية في فلسطين وخاصة في قطاع غزة. فانا إبن الحركة الاسلامية الأكبر في فلسطين، وتربيت في كنفها لاربعة عقود، وأتحدى أن تاتيني بقول أو موقف لقائد أو رمز من رموزها في غزة أو الضفة او الاراضي المحتلة عام ٤٨، بل حتى في المنطقة العربية، يؤكد ما ذهبت اليه من استنتاجات خطيرة. بل العكس هو الصحيح، فقد تربينا على مناهج هذه الحركة والمبنية على آيات القران الكريم وسنة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وفكر المؤسسين من أمثال الشيخ حسن البنا وفتاوى العلماء الكبار والرموز من أمثال الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين السابق. مناهج الحركة تعزز الوسطية والاعتدال والتعايش والرحمة وقبول الآخر، ولا نقول ذلك اجتهادا سياسيا ولا تكتيكا تنظيميا، بل نؤمن به عقيدة ونمارسه دين. ولعل أهم وأبرز مشايخنا وقادتنا هنا في فلسطين الشيخ الشهيد المؤسس أحمد ياسين، والذي تمتع بعلاقات طيبة وراسخة مع جيرانه المسيحيين في حي الزيتون، الحي الذي يوجد فيه المجمع الاسلامي منذ سبعينيات القرن الماضي ومركز الحركة الاساس، الى جانب الكنيستين الاكبر ، الكنيسة الاورثوكسية وكنيسة دير اللاتين وكذلك المستشفى الاهلي العربي، المعمداني سابقاً. لم تنقطع العلاقات بيننا وبين أشقائنا المسيحيين في غزة طوال العقود الماضية، وعلى كل المستويات الدينية والاجتماعية والسياسية والنقابية، ولعل تجربة الانتخابات في عام ٢٠٠٦ ومشاركة النائب حسام الطويل على قوائم حركة حماس، وقبله مشاركة الدكتور انطون شحيبر على قوائم الإسلاميين في انتخابات الجمعية الطبية العربية، وبعد ذلك مشاركة الوزير طنوس ابو عيطة في الحكومة التي شكلتها الحركة في عام ٢٠٠٦، ومشاركة د. خلود دعيبس في حكومة الوحدة الوطنية في ٢٠٠٧، وكلا الحكومتين برئاسة الاستاذ اسماعيل هنية رئيس حركة حماس، كله دليل على أن الامر يتجاوز العلاقات الشكلية البروتوكولية في المناسبات الرسمية، الى الالتحام الوطني على قاعدة الشراكة وحماية المصالح العليا الوطنية. ولعل أحداث العدوان المتكرر على غزة في السنوات الاخيرة، كان رسالة وحدة وتماسك، بل والتحام، فوحدنا الالم، عندما لم يفرق الصاروخ الاسرائيلي بين مسلم ومسيحي، وكذلك وحدنا الامل، عندما فتحت الكنائس والمساجد من الكل للكل، تقاسموا الماء والخبز، وصلوا جميعا لله ان يرفع عنا البلاء ويفرج الكرب.
أما ربطك بين هجرة أشقائنا المسيحيين الأراضي الفلسطينية، بما فيها غزة، وبين مواقف وتصريحات حركات "الاسلام السياسي"، حسب تعبيرك، فاعتقد أنه اما يعكس مغالطة متعمدة أو جهل بحقيقة الاسباب الدافعة لذلك. فعلى الاقل فيما اعرفه عن غزة، فان الظروف الماساوية خلال السنوات السابقة من احتلال وحصار جائر دفعت الكثيرين، وخاصة من جيل الشباب، للتفكير في الهجرة والبحث عن فرصة أفضل للحياة، وانا شخصيا لا الومهم على ذلك، فهذا حقهم، وتاريخيا لم تكن غزة المكان الافضل للبحث عن فرصة عمل، فشبابنا كانوا يذهبون للعمل في الدول العربية بعد التخرج من الجامعة، او للعمل داخل الخط الاخضر لغير الحاصلين على شهادات عليا. ولذلك هاجر في الفترة الماضية آلاف، من المسلمين والمسيحيين، ومن كل المشارب الاجتماعية والتخصصات المهنية. قد يكون اخواننا من المسيحيين أكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف، لما يمتلكونه من امتدادات في الخارج او ظروف سفر اسهل ومؤهلات أفضل، أو حتى للزواج في ظل الفرص المحدودة في غزة. في ظل العدد المحدود للاسرة المسيحية في غزة تاريخيا، كان تاثير الهجرة على أعدادهم أوضح وأعمق. ولكن لا يمكن لاي كان أن يثبت أن حادثة هجرة واحدة كان سببها التمييز او التحريض أو التهديد لا قدر الله، بل ان التصريحات المتكررة لرجال الدين المسيحيين في غزة، كالاب اليكسيوس والاب جبرائيل رومانيلي وقبلهم الاب مانويل مسلم تنفي هذه الادعاءات بالمطلق، وتؤكد العكس تماماً.
النقطة الثانية ولا تقل خطورة هو قولك "واصرارها على فرض قوانين الشريعة الاسلامية وفق تفسيراتها الاصولية، على جميع المواطنين". فلا اعلم كيف تجرأت كرجل قانون على اطلاق هذه التهمة جزافاً، فان أبسط بحث في قرارت الحكومة في غزة سيثبت لك أنّها تستند الى القانون الاساسي الفلسطيني ولوائحه التنظيمية المعتمدة في اراضي السلطة الفلسطينية، وهذا ما أكدته الحكومات الفلسطينية المتعاقبة وكذلك قيادات حركة حماس، أنّها تستند في حكمها الى القوانين الفلسطينية السارية المفعول في اراضي السلطة الوطنية، وأن أي تغيير لهذه القوانين يتم حسب الاصول المعتمدة من خلال المؤسسات التشريعية المنتخبة ديموقراطيا.
أما فيما يتعلق بقولك "على جميع الأحوال، لم يكن نأي كاتبي ذلك التعميم عن استعمال كلمة "الميلاد" واستبدالها في العنوان بكلمة "الكريسماس" مجرد سهوة عابرة، ولا يمكن اخراج نص التعميم المذكور عن سياقات الخطاب الشائع في أدبيات وفتاوى بعض تلك الحركات، فانتقاء اسم "الكريسماس" وليس "الميلاد" يقصد منه ايضًا افهام عامة الناس على ان المحتفلين بهذه المناسبة ليسوا "منّا" وهي اصلًا مناسبة غربية دخيلة"، فباختصار أؤكد لك انها سهوة عابرة وغير مقصودة، وكثير من المسيحيين، حتى في فلسطين، يستعملون هذه اللفظة ويهنئون بها بعضهم البعض.
قبل أختم لابد أن أؤكد على المعنى والهدف الاساس من كتابة هذا المقال، نحن مختلفون وسنبقى كذلك، وهذا جزءاً اصيلا من قوتنا، ولكنّه الاختلاف الذي يعكس التنوع والقائم على التعاون والتعايش والتسامح قبول الاخر كما هو، لكن الخطورة ليست عندما نسمع قولا غريبا او شاذا او مرفوضا من شخص هامشي عابر في المجتمع، ولكن الخطورة تكمن في أقوال وتصريحات تصدر عن شخصيات اعتبارية محترمة وقامات وطنية لها مكانتها، ولها جمهورها الذي يسمعها ويتاثر بها ويبني عليها قرارته وتوجهاته، فالحذر الحذر، وخاصة من الكبار، من الانزلاق الى مهاوي التجاذبات الدينية، فنحن لسنا في فائض من الوقت او القوة لنخلق ساحة مواجهة جديدة، وخاصة في وجود عدو يتربص بِنَا ويستهدفنا جميعا دون تمييز.
ختاما أتفق معك استاذ جواد فيما ختمت به مقالك أن المحافظة على ورعاية العنصر المسيحي في هويتنا الفلسطينية، ليس بمعناها الديني الضيق، هي مصلحة فلسطينية وطنية عليا، ولعل ما نشاهده في لبنان الشقيق وغيره من دول المنطقة، من تحويل الصراع السياسي، الى صراع ديني وطائفي، أكل الاخضر واليابس، واستنزف كل مقدرات الدولة وأغلق الافق لاي تقدم وازدهار وحياة كريمة، للاسف في معظمه تنفيذا لاجندات خارجية، هو درس قريب ومؤلم، يجب ان نتوقف عنده كثيرا.
كل عام وشعبنا بمسلميه ومسيحييه بالف خير.