على مقاعد الدراسة
كنا يوم انطلقت الانتفاضة الاولى فكانت نقطة تحول في تربية و تفكير الشباب الاسلامي
الذي تربى نظريا على مفاهيم التضحية و الجهاد و قدسية الشهادة و حب الأوطان و مفردات
العزة و الكرامة فرأى امكانية تحقيقها واقعا ساطعا يعيد أمجادا غاصت و توارت عن الذاكرة
لتصبح مجرد صفحات في كتب التاريخ، أصبح نصر القلة عيانا أمام الأنظار، و أصبح المستضعفون
سادة يأبه العالم لفعلهم و يربكون السياسة، و صار الحجر و السكين و حتى صوت التكبير
جنديا من جنود الله و صانعا للنصر!
كانت مرحلة فارقة
للشباب المسلم في تكثيف الوعي و تفعيل الشعور الجمعي بقضايا الأمة و توجيه لبوصلة الأولويات
نحو القضية الأقدس حينها، قضية فلسطين
الا أن السن و بعد
المكان يحددان ارادة الفعل و يحصران امكانية التأثير في الميدان في القيام بأدوار الاسناد
التي مهما ارتقت لن تكون بتأثير الفعل على الارض و لن تسد تلك الجوعة العاطفية و ذلك
الفتق النفسي ان يكون المرء، و لو لمرة، في قلب صناعة الحدث و في الأولين لا في الأطراف
التي تظل في صفوف الاحتياط لزمن قد يجيء او لا يدركه اصحاب الاعمار القصيرة!
انتهت الانتفاضة
الأولى و قد رسخت حالة من الوعي النضالي و اقتناعا مزيدا ان ما أوخذ بالقوة لا يسترد
بغيرها و لكن حالة الوعي هذه اصبحت حالة ترف فكري و تنظير و نضال بالوكالة يقوم به
اصحاب الارض فرض عين فيتحول كفاية على الآخرين و خمدت جذوة التصعيد و التواتر لشعب
و قضية لا تملك الانطفاء حتى يتحقق التحرير، و ما بين الانتفاضتين و بعدهما انشغلنا
في غربتنا الروحية عن حالة الاستعداد الدؤوب و دخلنا دوامة تكوين الأسرة و العمل و
طموحات المستقبل و توارى عند الكثيرين الهدف الواضح الذي يجب ان تصب في مصلحته كل الأعمال
و دخلنا مرحلة الازدياد من كل متع الدنيا و كأن ليس يثقل كاهلنا أوطان محتلة و مقدسات
مدنسة و أعراض منتهكة، وضعنا الضمير في حالة سبات قد يستيقظ احيانا في الدعاء و بذل
فضول المال رفعا للحرج عن نفس كانت في عز شبابها تنام و تقوم على أخبار الشهادة و الشهداء
و تعلق صورهم كالنجوم و تترنم بنشيدهم و سيرتهم!
لا ريب ان للأزمنة
شرف و يزيد شرفها ما يفعله الانسان حينها و للزمان كذلك انتكاسة يوم يخذله البشر بالتخلي
و الخنوع و الذلة و لبصمات الاجيال عناوين في التاريخ فجيل دخل تحت اسم النكبة و ظل
يحمل تبعاتها و بعضهم عاش و مات منكوبا و لم يكن تابعيهم أفضل حالا في نكستهم ثم جاء
جيل الانتفاضة الذي جعل من الطفل عملاقا يرهب عدوا مدججا، لم يختلف الاحتلال و لكن
اختلف البشر تربية و عملا فدار الزمان دورة العز في ركابهم
الشباب شهود الانتفاضتين
أصبحوا الان جيلا على أبواب الاربعينات و جاوزها بعضهم و الانتفاضة الان ان قامت او
تحضرت لما هو أعظم فتلك فرصتهم الأخيرة لاظهار معدنهم و اختبار تربيتهم لسنين من الغرس
طالت كثيرا و قد ودع بعضهم الدنيا بموت الفجأة و ما زال الايمان سلبيا لم يتفعل و ما
زال في النفس شوق لموقف عز و خروج من دكة الاحتياط الى ميدان الاستخدام في عين الشمس
و عين العاصفة لا في وارف الظلال و دعة الأركان!
عندما نتمنى ان تقوم
الانتفاضة و تتحرك المياه الراكدة أين نرى أنفسنا؟! متفرجين مشجعين ام عاملين مضحين؟!
نحتفي بالشهداء و نطنطن لهم ام نعد أنفسنا و ابنائنا لنكون التالين؟ نطلب من الناس
التضحية دون أن نحس بكسر اليتيم و فقد الأم و وحشة الأرملة أم نحمل معهم أوجاعهم بعد
نسيان الناس و تفرقهم؟!
يا جيل الانتفاضتين
لقد اكتمل شبابكم و بلغتم أشدكم و هذا ناقوس الفرصة الأخيرة يدق أبوابكم تنبيها و تذكيرا
فهل لنا عظة في أبي ذر تأخر عن الركب و لكنه التحق بالنهاية مع كبر سنه و ضعف قوته
و عمرو بن الجموح يقتنص الفرصة الاخيرة في عمره في معركة أحد ليدخل بعرجته الجنة؟!
ما أشده من تقريع
للراغب الاصفهاني يضع الموازين في نصابها في جردة حساب العمر " و من لم يصلح لخلافة
الله تعالى و لا لعبادته و لا لعمارة أرضه فالبهيمة خير منه" أويكون هذا آخر المطاف
ان نتساوى و البهائم في الميزان؟!
هذا الزمان زمان
الاستدارة و تمكين الضعفاء و قد طالت أعمارنا لنكون اما من المصطفين او من المتروكين
إنها الفرصة الأخيرة
فهل من مدرك؟! إنها الفرصة الأخيرة فمن يقبل على الاقتناص؟

