السبت 10 يناير 2026 الساعة 10:51 ص

مقالات وآراء

دونالد قورش

حجم الخط
د.صالح النعامي

على الرغم من أن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب يحاول في الآونة الأخيرة تهدئة روع بعض حكام العرب والمسلمين الذين وقعوا في دائرة الحرج من تعهده بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وأعطى تلميحات بأنه ليس في عجلة من أمره وأن نقلها «ليس على جدول أعماله حاليا»، إلا أن خطابه إزاء هذه القضية خلال الحملة الانتخابية وبعد فوزه قد أوجد واقعا مختلفا داخل الكيان الصهيوني بكل ما يتعلق بالموقف من المدينة المقدسة والمقدسات الإسلامية فيها، وعلى وجه الخصوص الحرم القدسي الشريف.

وكما يقول وزير الداخلية الصهيوني الأسبق عوزي برعام، فإن خطاب ترامب تجاه القدس وتجاه الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام قد منح قوة دفع غير مسبوقة للجماعات اليهودية التي تنادي بتدمير المسجد الأقصى تمهيدا لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

وحسب برعام، فإن ملاحظة الخطاب السائدة في أوساط التيار الديني الصهيوني صاحب التأثير الطاغ داخل الحكومة والجيش وخطاب المرجعيات الدينية اليهودية يدلل بما لا يقبل الشك على أن صعود ترامب للحكم، مثل في نظر الحاخامات والنخب السياسية في التيار الديني «معجزة إلهية» لتمكين اليهود من بناء الهيكل على أنقاض الأقصى وأن أية حكومة لا تستغل وجود ترامب من أجل تحقيق هذا الهدف «فاقدة للشرعية اليهودية».

وبالفعل، فإن صعود ترامب قد مثل عامل ضغط على بعض قوى اليمين التي تحافظ على خطاب «معتدل» نسبيا مقارنة بالخطاب السائد في التيار الديني الصهيوني، حيث إن هذه القوى باتت تساير الخطاب الجديد وتتبنى مواقف أكثر تطرفا وتشددا حتى لا يتم اتهامها بـ «التقصير في الدفاع عن الحقوق اليهودية في أرض إسرائيل»، كما يقولون.

من هنا، فإننا نجد وزراء ونواب من حزب الليكود الذي هو حزب «علماني» بالأساس يتبارون مع المرجعيات الدينية في تبني الخطاب المتشدد من القدس والمسجد الأقصى وبقية مركبات القضية الفلسطينية.

من هنا، لم يكن من المستهجن أن تسارع الكنيست عمليا إلى الغاء التعهد الذي قدمه رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو للملك عبد الله الثاني بشأن عدم السماح للوزراء والنواب الصهاينة بتدنيس الحرم القدسي الشريف الأسبوع الماضي. وأثر هذا التطور، أعلن وزير الزراعة والاستيطان أوري أرئيل، الذي يعد السياسي الصهيوني المسؤول عن تنظيم معظم حملات التدنيس للحرم أنه ينوي قريبا تدنيس الحرم في أقرب وقت ممكن.

وعلى هامش هذه الأحداث، وبشكل خطير ساد خطاب ديني خلاصي من نوع جديد يربط بين ترامب وبين تمكين اليهود من بناء الهيكل، حيث أن بعض الحاخامات استعان بحوادث تاريخية لكي يضفي صدقية على هذا الربط.

فلم يجد الحاخام دوف كوك، أبرز حاخامات التيار الديني الصهيوني وأحد المرجعيات ذات التأثير الكبير على حزب «البيت اليهودي»، الذي يرأسه وزير التعليم نفتالي بنات من الجزم بأن ترامب يمثل النسخة الحديثة للملك الفارسي قورش الكبير، الذي أعاد اليهود من السبي البابلي وسمح ببناء الهيكل الثاني، حيث زعم أن ترامب سيسمح ببناء الهيكل الثالث، على أنقاض الحرم القدسي الشريف. ويطالب كوك زملاءه الحاخامات وطلابه «بتكثيف الصلوات من أجل انجاح عهد ترامب على اعتبار أن نجاحه يسهم في تمكين اليهود من القيام بفرائض الشريعة اليهودية الكبرى، وعلى رأسها بناء الهيكل، الذي يمثل «ذروة سنام» الخلاص اليهودي.

وفي الحقيقة، فإن أحدا لا يمكنه اتهام هؤلاء الحاخامات بالتجني على ترامب وتعليق رهانات غير واقعية عليه، حيث أن الرئيس الأمريكي الجديد أعطى مؤشرات على أنه يتساوق مع أفكار الجماعات الدينية اليهودية المطالبة بتدمير الحرم القدسي الشريف وبناء الهيكل على أنقاضه.

فقد كان من اللافت أن معظم الصهاينة الذين دعاهم فريق ترامب لحضور حفل تنصيبه كرئيس هم تحديدا الأكثر حماسا لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى. فقد كان من بين المدعوين لحضور الحفل النائب الليكودي الحاخام يهودا غليك، الذي يتزعم حركات «الهيكل»، علاوة على أنه المسؤول عن تنظيم حملات اقتحام الحرم بين الفينة والأخرى. وقد حظي غليك بـ «احترام خاص» عندما أشار الناطق بلسان ترامب إلى وجوده داخل البيت الأبيض بعد التنصيب.

ومن بين الحاخامات الذين دعوا لحضور حفل التنصيب الحاخام الشرقي روني هكوهين، الذي يعد من أبرز الحاخامات في مدينة «أسدود» المحتلة، وينادي أيضا ببناء الهيكل على أنقاض الأقصى. وإلى جانب هذين الحاخامين المتطرفين، فقد تمت دعوة كل من رئيس مستوطنة «أفرات» عوديد ربيبي، الذي يشغل أيضا منصب مسؤول شعبة الإعلام في مجلس المستوطنات اليهودية ورئيس مستوطنة «معاليه أدوميم» بني كشرئيل، اللذين يعدان من غلاة المتطرفين في حزبي «البيت اليهودي» و»الليكود».