السبت 10 يناير 2026 الساعة 11:52 ص

مقالات وآراء

“مرزوق” والانتخابات البلدية

حجم الخط
أيمن دلول

منذ سنوات طويلة يعمل “مرزوق” طبيبا، وبات مشهورا لخبرته الطويلة في هذا المجال والخدمات الجليلة التي يقدمها لأبناء شعبه. ذاع صيته بشكل كبير بين الناس فهو شخصٌ من أصحاب الأيادي البيضاء لا يترك بابا للخير إلا ويطرقه ويحرص أن يكون له فيه سهمٌ من سهام الخير وخدمة الناس.

 

تمرُ الأيام سريعة في حياة “مرزوق” ولم يكن يتخيل أنه سيخوض غمار أي منافسة انتخابية لأي مجلس إدارة في حياته، غير أن جاره “أبو فتحي” والذي يعرف صفاته منذ سنوات طويلة كان له رأي آخر، وبمجرد الإعلان عن إجراء الانتخابات البلدية في فلسطين للعام 2016م، بحث “أبو فتحي” في حزبه عن شخصيات نظيفة ومهنية وقوية للتمكن من الظفر بهذه الانتخابات على حساب القوائم التي يدعمها غريمه “أبو أحمد”، لكنه بات في الأوقات الأخيرة المخصصة للترشيح دون أن يهتدي لشخصيات تحمل الصفات سابقة الذكر.1

 

أخيراً، وبعد مناحرات بين “أبو فتحي” وقادة حزبه دون الاتفاق على تشكيل قائمة للتنافس على انتخابات بلدية غزة أكبر بلديات فلسطين، لم يجد أمامه إلا شخصية “مرزوق” ذلك الطبيب المعروف بالعمل الخيري والسمعة الطيبة بين الناس، فقرر أن يطرق بابه.

 

فوجئ “مرزوق” بطلب “أبو فتحي” إدراج اسمه وفي موقع متقدم على قائمة حزبه لتلك الانتخابات، بل وأخذ يعرض عليه المغريات الكبيرة لترشحه ضمن هذه القائمة والخدمات التي سيقدمها لأهل منطقته وحيه بعد الفوز.

 

دهشةٌ كبيرةٌ أصابت جيران “مرزوق” لقبوله أن يكون ضمن المرشحين في قائمة “أبو فتحي”، فهو شخصٌ يعرفوه مثقفا للغاية ويقرأ التاريخ جيدا، خاصة ذلك المتعلق بـ” أبي فتحي” وعلاقاته الوثيقة بـ” شلومو” الذي يسيطر على الكثير من منازل وممتلكات أبناء عمومته منذ عقود من الزمن.

 

مضت أيام على ترشح  “مرزوق” وفوجئ بجاره القديم “أبو مصطفى” يستوقفه بينما كان متوجها لعيادته. صافحه بحرارة كعادته وطلب الإذن بالحديث معه لثلاث دقائق. وبدأ “أبو مصطفى” الحديث بينما أطرق “مرزوق” برأسه ولم  ينطق بشيء:

 

ما عرفناك يا دكتور “مرزوق” إلا رجلاً من وجوه الخير والصلاح، كيف تقبل على نفسك أن تكون سببا في التغطية على صورة “أبو فتحي” القبيحة والتي يعمل تفاصيلها كل الناس في بلادنا. ألست أنت من كان يحذرنا دوما من أفعاله والحالة التي وصل إليها نتيجة تعاونه مع “شلومو” على مدار الساعة لقتل أبناء جيرانه “أبو أحمد” و” أبو وطن” و” أبو باسل” وغيرهم؟. ما الذي جرى لك يا دكتور “مرزوق” أنت المثقف الفاهم لدهاليز السياسة ومكر وخداع “أبو فتحي” تكون بعد هذه السنوات المشرقة من حياتك في زاوية مظلمة تقف فيها إلى جوار “أبو فتحي” وأبنائه وتساندهم ضد الشرفاء والأطهار؟..

 

لم يحتمل “مرزوق” المزيد من كلمات جاره “أبو مصطفى” ومضى عائدا لبيته، فقد قرر عدم التوجه لعيادته في هذا اليوم بعد كلمات جاره العزيز.

 

نهضت زوجة “مرزوق” فزعة من مكانها وهكذا فعل أبناؤه، فقد كانت طرقته لباب منزله توحي بأن حالة من الغضب غير طبيعية يعيشها. ودون أن يتحدث بكلمة وسط حالة من ذهول الجميع دخل “مرزوق” غرفته وأغلق الباب من خلفه.

 

وعلى الفور جهزت زوجته التي عرفت طباعه جيدا على مدار سنوات زواجهما كوبا كبيرا من القهوة السادة، ودخلت خلفه الغرفة بكل هدوء، لتضع أمامه ذلك الكوب الأبيض الذي اعتاد “مرزوق” تناول قهوته الصباحية فيه منذ أول يوم لحياته الزوجية التي بدأها في دول الخليج العربي قبل الاستقرار في قطاع غزة. ارتشف رشفة ونظر إلى زوجته متحدثا:

 

ما رأيك في ترشحي للانتخابات البلدية؟ كيف نظرة الجيران للموضوع؟ هل صحيح ممكن أهلي وأفراد بيتي ما يعطوني أصواتهم؟ أنتِ كيف نظرتك ممكن تنتخبيني ولا ممكن تهون عليكي عشرة السنين الطويلة؟.

 

انتظر “مرزوق” إجابة من زوجته لكنها بقيت صامتة، فلما أصر عليها بالإجابة أخذت تخفف عنه من حالة الغضب بذكر محبة الناس له ووجوه الخير التي يطرقها باستمرار. وبينما كانت  تتحدث بهذه الأمور صرخ بها: أنا سألت بصراحة ولم تجيبي؟..

 

فأجابته على الفور: هل تمنحني الأمان؟.

 

استغرب “مرزوق” من طلب زوجته بعد هذه السنوات التي أمضتها معه كأسعد أوقات يعيشها الإنسان مع من يحب، لكنه قال لها: لقد منحتك الأمان فأجيبي.

 

أسندت زوجة “مرزوق” رأسها على كتفه واقتربت منه قليلا:

 

للأمانة أنا وكل أولادك استغربنا من ترشيحك للانتخابات في قائمة “أبو فتحي”. نحن أهل بيتك ونعرف أخلاقك وصفاتك ونظافة يديك. كانت صدمة لنا يوم ترشيحك في  تلك القائمة. أنت نقشت اسمك بأحرف من نور في سجل المجد الفلسطيني ثم تأتي بعد هذه السنوات المشرفة في خدمة أبناء شعبك لتكون عونا عليهم وأداة تزيد من معاناتهم بفعل التصرفات والقرارات التدميرية التي يقوم بها “أبو فتحي” ضد أهله وأبناء عمومته. كيف يستوي هذا الأمر؟.

 

وأنا زوجتك التي أحبك ومعي أبنائك كلهم قررنا عدم منحك صوتنا في تلك الانتخابات، وإنما جهزنا أنفسنا لمنح أصواتنا لتلك القائمة التي سيصوت لها جارنا “أبو أحمد” وأبناؤه..

 

استند “مرزوق” قليلاً  وابتعد عن زوجته ينظر إليها مستغربا، لكنها بادرته: لا تنسى فقد عاهدتني بالأمان..

 

هنا ضحك “مرزوق” بأعلى صوته: لا تقلقي، ولكن تهون عليكم عشرتي معكم وحبي لكم على مدار أكثر من ثلاثين عاما؟.

 

بكل عزيمة ترد تلك الزوجة: إن الوطن والتراب الذي يئن أهله على مدار الساعة نتيجة أفعال “شلومو” وتآمر “أبو فتحي” معه يهون كل شيء ما سواه.

 

طبع “مرزوق” قبلة على جبين زوجته واستأذنها لتصحيح خطأ كبير كاد يودي بسمعته الطيبة على مدار تلك العقود من الزمن. كانت الوجهة التي قصدها هي لجنة الانتخابات المركزية، فقد أبلغها بقرار انسحابه ودون رجعة من قائمة “أبو فتحي”، وهي خطوة أعادت السكينة والاطمئنان لفؤاده بعدما غابت عنهما على مدار الأيام الثلاثين التي مضت.