الخميس 01 يناير 2026 الساعة 08:51 ص

مقالات وآراء

صورةٌ ملونة «26/26»

حجم الخط
أيمن دلول

حملتُ أمتعتي بعد تغطية استمرت حتى بعد منتصف الليل في غزة لأجواء الفرح والسعادة بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة الذي استمر لواحد وخمسين يوما بلياليها التي أنارتها صواريخ وقذائف الاحتلال وصراخ الأطفال والنساء التي ارتفع هديرها كلما سقطت قذيفة أو صاروخ، معلنةً أن الغضب الفلسطيني من جرائم الاحتلال والصمت العربي الرسمي سيكون لها ما بعدها.1

 

وصلتُ منزلي الذي لم يتم تدميره كحال آلاف الفلسطينيين الذين ذهبت ذكرياتهم تحت ركام منازلهم، تماماً كما نقص أفراد عوائلهم بفعل صواريخ وقذائف الاحتلال. دخلت بيتي وتحدثتُ على عجل من أمي وأبي وزوجتي في حديث كنتُ أذكرُ فصوله وكلي اطمئنان هذه المرة، فقد وضع العدوان أوزاره في الوقت الراهن.

 

بعد دقائق أمضيتها بصحبة الأهل، طلبتُ الإذن للخلود إلى النوم الذي نسيتُ طعمه أو أوقاته، وقبل دخولي للنوم ذهبتُ لغرفة أبنائي وطبعتُ قبلةً على جبهة كل واحدٍ منهم، لكن دموعي نزلت حرةً مرة أخرى، ربما لأني تذكرت جثامين أطفال صغار في مثل سني عمرهم حولتهم قذائف وصواريخ “إسرائيل” إلى قطعٍ صغيرةٍ من اللحم، وأوقفت مسيرة حياتهم التي تمنوا أن يحيوها ويتمتعوا بفصولها المختلفة.

 

وفي ساعات الصباح، تناولتُ طعام إفطاري على عجل ومضيت لنقل تفاصيل أخرى من الحكاية، ربما هي تفاصيل لم نرغب بإيصالها للجمهور خلال العدوان؛ حتى لا تحطم روحه المعنوية. أما وقد انقشع غبار العدوان، فهناك آلافٌ من القصص لم تنتهي حبكتها بعد، ولم يطلع المواطن الفلسطيني على تفاصيله المختلفة، وقد آن أوان التطرق لها بعدما توقفت الأخبار العاجلة، فهذا الوقت هو المحدد للتطرق في مسائل “ما وراء الخبر”.

 

وصلتُ إلى مقر عملي الجديد بعد قصف المقرات الرئيسية خلال العدوان، وصلتُ لكني لم أجد مقعدا للجلوس عليه، أو مكتباً للعمل عليه، وهو أمر لم يجعلني أتوقف عن العمل، فبالأمس كنا خلال العدوان نجلس على الأرض ونعمل في ظروف بالغة الصعوبة، لذلك لم نتحرج حينها في مؤسستي من الجلوس على الأرض لصياغة خطة عمل تهدف إلى زيارة الأحياء والأماكن المدمرة وتسليط الضوء عليها وإظهار حجم الصمود الفلسطيني والمعاناة والثبات بنهج المقاومة الفلسطينية.

انطلق العديد من الزملاء وكنتُ أحدهم، إلى الميدان نصنع القصص المختلفة التي تستحق الوقوف أمامها بكل فخرٍ وشموخ، فهي ترسم لوحةَ شعب يأبى الركوع إلا لله، وخلال هذه الجولات الميدانية أدركنا بحق أن انتصار المقاومة وثباتها في الميدان ما كان له أن يرى النور بدون احتضان وثبات وتضحية هذا الشعب العظيم.

 

استمرت عمليات البحث عن جثث الشهداء لأيام طويلة، تماماً كما تواصلت معاناة آلاف الجرحى والمصابين في المستشفيات في فلسطين أو خارجها، أما باقي أبناء الشعب فرجعوا إلى منازلهم، وكل واحدٍ منهم له حكاية ربما تُشبه أهل منطقته أو قد تختلف معها، لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً إما معاناة أو صمود وتحدي للاحتلال.

 

هي قصص عملنا جاهدين أن نرسمها كما وقعت دون زيادة عليها، لكن حتما قلمي لن يتمكن أن يرصد كل حكاية من حكايا العز التي أبدع الشعب الفلسطيني في صياغتها، ورفض أن يشوبها أي معنى من معاني الذل والهوان رغم التآمر الدولي والعربي عليه، بل والتلذذ بمعاناته وآلامه.