السبت 17 يناير 2026 الساعة 10:10 م

مقالات وآراء

أودُّ لو أعود متدينا

حجم الخط
د.ديمة طهبوب

يقولون إن للبدايات دوما إشراقها و حماستها، فالطفل عندما يبدأ المشي يسعد بنفسه فينطلق سريعا كما لو انه يخاف أن يتوقف اذا أبطأ، و يقع مرات عديدة و لكنه ينهض سريعا دون أن تخّذله كثرة السقطات أو تترك أثرا سلبيا في نفسه

هكذا كانت نفوس الكثيرين عندما بدأنا درب التدين و الفهم عن الله لنصير مسلمين بإرادتنا و اختيارنا لا بالوراثة عن والدينا، عندما بدأت نسائم المحبة و الفهم تتغلغل في قلوبنا كنا نصلي بلذة من أذهبت النشوة إحساسه بالدنيا، كانت النوافل عندنا بمرتبة الفرائض نقضيها اذا فاتنا شيء منها، كانت ثقافتنا الدينية محدودة و لكن تطبيقنا للقليل الذي نعرف كان يقترب من الكمال،كنا نجهل المحددات السياسية و الاعتبارات الاجتماعية التي تحاصر العمل من أجل الاسلام و لا نبالي بها أو بالانحناء لها أو بالتماشي معها فكنا متحفزين للعمل و الحركة و كأن الدين في مالطا و أبعد منها سيقوم على أيدينا، كان قدوتنا عمر في حزمه و عدله و صلاح الدين و الشهداء في جهادهم و تفانيهم و تضحياتهم، كانت قلوبنا نظيفة لا يعلوها غبار الحياة و التكلف و الركض وراء المصالح و المناصب....أما الآن فكثرت علومنا و لكن قل أخذنا بها، نتقن التشدق في كافة المجالات و نفشل أن نحول الأحلام الى واقع، نعرف ما يُصلح و يُفسد و نعجز عن الاصلاح و نترك الميدان لجلد الفاجرين

لم تعد العبادات تغسل ران القلوب، و خلق ثوب الإيمان في جوفنا حتى صرنا أجسادا بلا أرواح، كثرت حركتنا الظاهرة للدين و لكنها حركة جعجعة تصدر أصواتا قوية دون طحن أو حصاد للمحصول، صرنا نرى أنفسنا أفضل من الآخرين و يحق لنا الترفع عن جماعة المسلمين أو حتى طعنها في الظهر بمسوغات الانفتاح و التجديد و غيرها

يا ترى عندما يشعر الذين يزعمون أنهم متدينون بالفتور الطويل فماذا يحصل لبقية المجتمع؟؟ و اذا فسد أهل الصلاح و هم ملح الأرض فكيف نعالج فساد الأرض؟ من يرد للدعاة و المصلحين غربتهم في أنفسهم و غربتهم مع أهليهم و مجتمعاتهم؟

نقول اننا متدينون فنفصل أنفسنا عن بقية المجتمع فصل قسمة و ابتعاد، نفصل أنفسنا عن مجتمعنا المسلم الذين يدين بالاسلام فطرة و قانونا و ثقافة و حضارة، و السؤال هنا: الأ يجب بطبيعة الحال أن نكون كلنا متدينون؟؟و إذا كان التدين من التفعّل و هي صيغة تحمل معنى تكلف الشيء، فهل المتدينون يتكلفون شيئا لا يشاركهم فيه بقية المجتمع؟؟ و اذا كان ذلك فأين اذن دورهم في المجتمع حتى ترفع الكلفة و يصبح الدين طبيعة الجميع؟؟ و اذا كان المتدينون بعيدين عن دعوة الناس، و الدين بعيد عن حياتهم، فهل دين المتدينيين دين فطرة ينفذ الى بواطنهم فيصلحون به و يُصلحون غيرهم أم دين مظهر يتكلفونه لا يعدو حناجرهم؟؟

أيها القراء الأفاضل و قعت على شكوى بليغة أسوقها لكم كتبها أحد الدعاة الى صاحبه يسأله علاجا لنفس تود لو تعود متدينة بالفطرة لا بالتكلف، بالمخبر و المظهر، في الظاهر و الباطن، في البيت و المجتمع و العالم لعلها توقفنا أمام أنفسنا في لحظة مصارحة و مكاشفة:

«هل أتاك نبأ الرجل الذي لا قلب له؟

عفوا، اذا كان القلب هذه الكتلة العضلية من اللحم الأحمر، الذي تقبض الدم و تبسطه، فهو يملكه-بلا ريب- بدليل حياته، و أما اذا كانت هذه العاطفة الجياشة و الاحساس الصقيل و الشعور الحي فأسفا!!

هو يقف للصلاة و يلم فيها شتاته، و يتلو القرآن و يحصر فيه انتباهه ثم يصلي و يتلو بنبرات قالوا: إنها شجية خاشعة، و لكنه يتحسس قلبه فيجده أصم لا يخشع و ان كان يفقه

هو يفطن الى معالم الحسن الدقيقة بالنظرة الخاطفة، كما يدرك مواطن القبح الخفية باللمحة العابرة، و هو يقرأ أخلاق الرجل في وجهه، مصيبا الى حد بعيد، و بالرغم من ذلك فهو لا قلب له! هو يلقى الصديق و القريب و الجار بعد غياب طويل فيهز يده بقوة، بل و يعانقه، و لكن قلبه جامد لا يختلج، هو يهتف في الناس أن كونوا و كونوا و يدلل و يحتج و لكن قلبه متصلب لا يهتز، هو يتلقى الخبر السار فيبتسم و النبأ المحزن فيقطب، و لكن سروره و حزنه آنيان و قلبه ساكن لا يضطرب، لقد أُوتيت العقل و سُلبت القلب، فطالما أحسست بفكري يتأجج و يعمل و يثبت وجوده و لكن عبثا حاولت أن أثبت هذا لقلبي

و لقد أتاك نبأ الرجل الذي لا قلب له، فهل لك في أن تُحيي قلبي حتى يؤمّن على ما يقوله اللسان بالخفقان و الشعور»

رمضان شعر الحياة و الإحياء من لم يقتنصه وجب أن يخاف على نفسه بأي زاد يقضي بقية العام و من فقه رمضان حق الفقه سيحيا به أعواما عديدة و أزمنة مديدة حتى يأتيه اليقين