ليلةٌ جديدة دخلتها غزة، وأبناؤها لا يعلمون نتيجة انقضائها، ومن سينضم من أبنائها لقوائم الشهداء والمصابين، أو من سيبقى ضمن الثلة المؤمنة بعدالة قضيتها وترفض الركوع والخنوع إلا للَّذي ركَّب رؤوس أبنائها على رقابهم.
هذا اليوم له حكايةٌ أخرى، فكان منذ الساعات الأولى من الليل
يوحي بأن ثمة أمورٍ مختلفة عن الأيام الماضية، منذ البداية اشتدت وتيرة القصف
والاستهداف من قبل كل آليات وطائرات الاحتلال الإسرائيلي، وكان في مقدمة الأهداف
هذه الليلة واليوم الذي تلاها هو البيوت والمزارع وأراضي زراعية، وبات واضحاً
التخبط الذي يعيشه جيش الاحتلال الإسرائيلي، فقد طال أمد العدوان على غزة على غير
المأمول عنده، وطول الحرب مؤكد أنه يزيد من خسائره، ومنح المقاومة الفلسطينية
مزيداً من الجرأة في استهدافه.1
كان الشهداء والمصابون يأتون تباعاً للمستشفيات الفلسطينية
خلال ساعات الليل والنهار على حدٍ سواء، ففي هذا اليوم استمرت عمليات القصف
والاستهداف ولم تتوقف ولو قليلاً كما كان يجري في الأيام الماضية، بل إننا كصحفيين
وإعلاميين كنا نسترق بعض الدقائق لتأدية الصلوات الواجبة.
ومع ساعات عصر ذلك اليوم، زادت حدة القصف على الأحياء الشرقية
من محافظة غزة، وبخاصة أحياء الشجاعية والتفاح والزيتون، وكالعادة توجهت سيارات
الإسعاف وبعض الصحفيين لمحاولة انتشال أي مصابين في منطقة تعرضت للاستهداف في
المناطق الغربية عن حي الشجاعية “أي بعيدة عن المواجهة المباشرة مع جيش الاحتلال
الإسرائيلي”، وبعد أن تجمع الناس والمسعفون والصحفيون في المكان استهدفتهم مدفعية
الاحتلال بعدد من قذائفها المسمارية المحرمة للاستخدام في هذه المواضع، حينها
وصلتنا الصرخات من ذلك المكان، وأبلغنا بعض الناجين بارتكاب مجزرة مروعة وكبيرة.
وعلى الفور خرجتُ على الهواء مباشرة للحديث عن المجزرة وقمت
بتحديد المكان جيداً لسيارات الإسعاف والأطقم الطبية، التي انطلقت مُسرعةً على
الفور وبدأت تنقل أعداداً من الشهداء والمصابين، وهي أعداد قلبت مستشفى الشفاء
رأساً على عقب، ولم تتسع ثلاجات الموتى للشهداء، كما لم يجد المصابين أسرةً
يتمددون عليها.
تواصلت تغطيتنا لهذه الجريمة لعدة ساعات، وكانت وسائل الإعلام
تنقل شهادات المصابين وصراخهم على الهواء مباشرة، وأنا كنتُ من بين أولئك، لكني لم
أنقل أي صرخات على الهواء مباشرة، وإنما اقتصرنا على شهادات طبيعية وأحاديث تؤكد
استمرار الصمود الفلسطيني رغم كثرة الدماء والدمار، فنحن إذاعة محلية ويتم
متابعتها بشكل كبير من الجمهور ونتعامل بحذر شديد في نقل شهادات المواطنين، ولا
ننقل أي شهادة من شأنها التأثير على المعنوية المرتفعة لجمهور المستمعين.
بعد وقت قليل من الهدوء في التغطية الإعلامية على جريمة حي
الشجاعية الجديدة، تفاجأت باتصال من والدتي تمام الساعة التاسعة والنصف مساءً،
لستُ أدري لماذا قبضني قلبي من ذلك الاتصال، لكني تمالكتُ نفسي وفتحت الاتصال،
فقالت لي: شوف أبوك وين؟ شوفه يمكن استشهد.
قلت لها: كيف يعني؟
فقالت: لقد خرج عصراً “أي في توقيت ارتكاب الجريمة” وذهب لرجل
في حي الشجاعية “يسكن بجوار مكان الجريمة” ولم يعد حتى الآن.
تسلل القلق إلى صدري، وبدأت كل الوساوس تنتشر في فؤادي، لكني
حاولتُ رغم ذلك ضبط أعصابي، وطلبتُ من والدتي المكوث في بيت جيراننا وعدم البقاء
وحدها في المنزل.
أما أنا فكان لا بُدَّ أن أبدأ رحلة بحث صعبةٍ للغاية خلال
ساعات الليل، لكنني بداية فضلت عدم إخبار أحد من أقاربنا بما جرى، لعلي أطمئن على
والدي وأخبرهم.
بدأت في مستشفى الشفاء رحلة بحث كبيرة بدأتها من ثلاجة الموتى،
توجهتُ وحيداً إليها بعدما أعطتني إدارة المستشفى مفاتيح أبوابها، فتحتُ باب
الثلجة فانتابني الخوف قبل النظر لأي من الشهداء، بدأت أنظر إلى وجوه الشهداء
واحداً تلو الآخر، تعرفتُ على أحدهم وكان زميلاً صحفياً لي يمر من مكان الجريمة
ولم يدرِ باستشهاده أحدٌ من الناس، نظرت إلى الجزء الثاني لأرى شخصاً بلا رأس،
وآخر تقطع جسمه، وثالث ورابع، وهكذا. حاولتُ التعرف من خلال الأشلاء فلم أفلح في
ذلك.
رجعت إلى إدارة المستشفى فأخبروني بمكان آخر فيه عدد من
الشهداء تم استحداثه بعد امتلاء ثلاجة الموتى الرئيسية، دخلت إليه بصحبة مدير
المستشفى وبدأت رحلة بحث أخرى، ولكن دون جدوى.
أحد المدراء في المستشفى أشفق على حالتي وطلب مني الهدوء،
ووعدني بأنه سيخدمني لأبعد حد، أجلسني في مكتبه وحاول تهدئتي بعدما زادت حالة
القلق عندي، وبعد دقائق اصطحبني برحلة بحث في أقسام المستشفى كافة. دخلنا غرف
العمليات وأقسام العناية المركزة وغيرها، تفقدنا كل سرير في المستشفى، لكن لم نصل
إلى شيء، وكان مشهد المصابين ومبتوري الأطراف في انتظار عملياتهم بعد ساعات على
إصابتهم مؤلماً للغاية.
رجعنا مرة أخرى لمكتب ذلك المدير وبدأ جولةً من الاتصال
لمستشفيات مدينة غزة وسؤالها عن مصابين أو شهداء بأوصاف والدي، لكن لم نصل إلى شيء.
وبعدما وصلنا إلى طريق مسدود وكان الوقت اقترب من صلاة الفجر،
أخبرني ذلك المدير أن والدي قد يكون في مكان الاستهداف ولم تصل إليه سيارات
الإسعاف، لكنه طلب مني الانتظار حتى الصباح؛ كون الخطر الذي يحيط بسيارات الإسعاف
إن تحركت خلال ساعات الليل.
صليتُ الفجر وانهمرت الدموع من عيوني، وحينها وجدتُ أنه لا بُد
من إبلاغ زوجتي بالأمر، فهي تتواجد في مكان آخر، وتواصلتُ مع زوج شقيقتي لإبلاغه
بالأمر وحرصاً ألا تدري شقيقتي، لكنها سمعتني خلال مكالمته فبدأت تبكي وتصرخ،
وهاتفت أعمامي، أما والدتي فأخبرتها أن والدي مفقود وعلينا الانتظار حتى تطلع
الشمس.
لقد تحولت حياتي إلى جحيم خلال هذا الوقت، وبدأت لا أدري ماذا
أفعل، أما إدارة المؤسسة التي أعمل بها فقد طلبت من زملائي المراسلين تسلم مهمة
العمل بدلاً عني في هذا الوقت.
وبعدما طلع النهار، طلبتُ من والدتي العودة لمنزلنا وتجهيز
نفسها للتوجه بصحبة سيارات الإسعاف للبحث عن والدي، وما هي إلا دقائق حتى أعادت
الاتصال بي تخبرني بأن والدي في داخل البيت، وقد عاد للبيت بعد منتصف الليل، فقرر
المبيت في المكان لكثرة المخاطر دون إبلاغ أحدٍ نتيجة المحيطة بأي شخص يتحرك في
ذلك الوقت.
حينها سجدتُ سجود شكرٍ لله أن حفظ والدي من أي سوء، ودعوت الله
أن يثبت ذوي وأهل كل شهيد أو مصاب في هذا العدوان الغاشم على أهل غزة، فقد عشتُ
تجربة صعبةً للغاية على مدار ساعات، لكن نتيجتها انتهت بسعادة على غير المتوقع.
