الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 03:20 ص

مقالات وآراء

رِجلُ الحمار وصفةٌ للحمل في غزة!!

حجم الخط
أيمن دلول

ثلاث مراتٍ من الإجهاض لعروس في غزة لم يمضِ على زواجها عام ونصف العام كانت كفيلة بسلوك أقصر الطرق لإتمام الحمل، حتى وإن كان فيها مخالفاتٍ شرعية كبيرة، ويكتنفها الكثير من الخزعبلات التي عفى عليها الزمن لدى الكثير من أبناء مجتمعنا، لكنها أساليب يتم استحضارها لدى البعض رغم أننا نعيش في العام 2016م الذي يشهد تطوراً علمياً كبيراً، بل تزداد البلوى حينما يكون من يلجأ إلى المشعوذين من المتعلمين والمثقفين!!.

 

بدأت الحكاية حينما تزوجت ياسمين و”الاسم مستعار” من شاب مثقف ومتعلم يُشير إليه الناس بالبنان في علمه وأدبه وأخلاقه، وبمجرد الزواج حملت الفتاة من زوجها، لكن لم تكتمل فرحتها حينما أجهضت بعد شهرين ونصف من الحمل، ليتكرر الأمر معها ثلاث مرات، لم تفكر الفتاة بالتوجه للطب لمعرفة المشكلة التي تؤدي عندها للإجهاض، بل استمعت لنصيحة والدة زوجها وسلكت مسلك السحرة والمشعوذين.2

 

أقنعت “الحماة” التي لا يعرف الناس عنها هي الأخرى إلا التقوى وشدة الصلة بالله تبارك وتعالى، زوجة ابنها بأن أحدهم قد يكون قام بسحرٍ لها بليل يمنعها من الحمل، وعليها التوجه للشيخة صبحية و “الاسم مستعار كذلك” فهي تقرأ القرآن على نساء الحارة و “مبروكة” على رأي “الحماة” التي أصرت على ضرورة سلوك هذا الطريق رغم اقتناعها بأن ما تقوم به “صبحية” مجرد قراءة للقرآن ولا يدخل في باب الشعوذة والسحر.

 

وفي الجلسة الأولى قرأت “الشيخة صبحية” بعضاً من آيات القرآن الكريم، وأخبرتها بأن أحدهم عمل لها “سحراً” عظيماً، ولكن يمكن التغلب عليه والقضاء عليه بالكامل إن التزمت العروس بالطلبات التي تحتاجها “الشيخة صبحية” لإنجاز هذه المهمة.

 

أخذت “العروس ياسمين” تستمع بدقة لطلبات تلك المشعوذة، فقد طلبت منها الحصول على أسماء سبعة “فواطم” من الأقرب على منزلها، والمقصود بـ” الفواطم” أي جمع كلمة “فاطمة”، بحيث تقوم بإحصاء أسماء سبعة من نساء الحارة يحملن اسم “فاطمة”، وبعد ذلك تطرق أبوابهن، فإن فتحت إحداهن باب بيتها دخل الشخص البيت دون أن يتكلم كلمة واحدة “وإلا بطل مفعول الوصفة”، وتوجه إلى مطبخ الـ” فاطمة” التي فتحت باب بيتها وأخذ ملء يده من الطحين، وهكذا حتى ينتهي من البيوت السبعة ويجمع الطحين في إناء واحد، ويعجنه ويقطعه لثلاثة أجزاء ويخبزه ثلاثة أرغفة من الخبز، فتأكل العروس الرغيف الأول، وتلقي بالثاني في المقبرة، أما الثالث فيجب أن تطعمه لكلب أسود وبيدها.

 

كانت العروس تتابع طلبات “الشيخة صبحية” باهتمام وتركيز كبيرين، وكتبت كل كلمة بتأنٍ شديد، حتى إذا ما عادت الكنة والحماة للبيت، رفضت الحماة أن تقوم بمهمة جمع الطحين بمبرر أن الناس ستضحك عليها إن هي دخلت بيوتهم ولم تتحدث بكلمة ليستقر الأمر على العروس للقيام بالمهمة “المخجلة”!!.

 

وذات صباح قامت العروس بالمهمة، والدهشة لا تزال يتناقلها أهل حارتها للجهل الذي تقوم به فتاة حاصلة على الشهادة الجامعية الأولى بعدما سمعوا بأصل الحكاية من الحماة. فعلت العروس كل المطلوب منها وانتهت من أكل رغيفها وتوزيع الباقي على الجهات التي حددتها المشعوذة.

 

وفي الجلسة الثانية لما يسمى ” العلاج بالقرآن” كما تسميه تلك الجاهلات، أكدت “الشيخة صبحية” أنه مضى أكثر من منتصف الطريق وتبقى طلب أخير لنجاح الحمل وإتمامه، حينها بدأت الكنة والحماة الاستماع بتركيز، لتكون المفاجأة أن الطلب يتمثل في ضرورة قطع رجل حمار من الركبة ودفنها أمام المنزل لينجح الحمل ويكمل شهوره التسعة!!.

 

عادت العروس وحماتها للبيت وطلبوا من العريس المشاركة في تلك المهمة بالغة الصعوبة، فكانت المفاجأة بموافقته دون نقاش، ليبدأ رحلة استمرت عدة أيام للبحث عن حمارٍ، حتى وجد حماراً ميتاً على جانب الطريق، تقدم نحوه وهو يتلفت ذات اليمين وذات اليسار خشية رؤيته من قبل أحد المواطنين، وحينما اطمأن لخلو الشارع من المارة، قطع رجل الحمار وعاد بها ليدفنها أمام بيته.

 

مرت الأيام وجاء البشير بأن الحمل وجد طريقه لرحم تلك العروس، لتبدأ رحلة الانتظار التي استمرت حتى شهرين ونصف، ولما أن وصل الحمل للشهر الثالث، ذهبت العروس والحماة للشيخة “صبحية” بالحلوان، لكنها الفرحة التي لم تتم، فبعد العودة للبيت أسقطت العروس من جديد، وبذلك تأكد كل من في البيت أن ما قاموا به مجرد خزعبلات أذهبت عقولهم و وقارهم بين الناس، كما أذهبت دينهم يوم أن صدقوا المشعوذين والسحرة تحت مبررات واهية.

 

لم يكن بداً أمام العروس إلا التوجه للطب في محاولة منها للتعرف على رأيه بخصوص إجهاضها، ليجد الطبيب بأن حالتها بسيطة وعلاجها يسير، وهو ما كان كفيلاً بإنجابها مولودها البكر بعد شهور تسعةٍ أخرى، كان بالإمكان أن تختصر بخطوتها هذه مراحل متعددة من الجهل وغياب العقل وذهاب الهيبة بين الناس بفعل الإيمان بسحرة ومشعوذين يتخذون من القرآن مجرد أدوات لتنفيذ أفعالهم القذرة للضر والمس بالناس.

 

الأحداث سابقة الذكر تتكرر باستمرار بين فئات مختلفة من المجتمع الفلسطيني، ورغم أن كل من يسلك تلك السُبل يُدرك بأنها تتنافى مع العقل والمنطق والدين والعلم، إلا أنه يُصرُ على الولوج فيها، وهو ما يدل بما لا يدعُ مجالاً للشك بأن من يقوم بذلك مجرد جاهل كبير وإن امتلك أعلى الدرجات العلمية، تماماً كالحاصل على شهادة الدكتوراه في الهند ثم تجده يعبد البقرة أو يقدس الفأر.