بدأت الحرب البرية التي أعلنت عنها “إسرائيل” تقطع الساعات تلو الأخرى، لكنها كانت على أطراف قطاع غزة ولم تتوغل إلا أمتار قليلة فقط، وكان واضحاً أن الأمر لا يعدو كونه حرب نفسية ليس أكثر ومحاولة لحسم المواجهة مع رجال المقاومة الفلسطينية عند هذا الحد، فالجميع يُدرك أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن يُجازف بحياة جنوده إلى مدى أكبر.
وبإعلان هذه الحرب، استخدمت قوات الاحتلال سلاحاً ضاغطا وفتاكاً على الفلسطينيين فقد بدأت بتصعيد عمليات استهداف المدنيين ومنازلهم، وركزت عمليات الاستهداف خلال ساعات الليل التي من المفترض أنها للسكينة والهدوء، وهي خطوات كان الهدف منها دفع المواطن الفلسطينيين للخروج عن صمته والتحرك بأسلوب ضاغط على المقاومة الفلسطينية لدفعها نحو القبول بشروط الاحتلال لتنفيذ تهدئة لا تحقق أدنى مطالب المواطن الغزي الذي وجد نفسه في مواجهة لا بُد فيها من تحقيق مطالبه أو الموت بعزة وكرامة، فقد أغاظت “إسرائيل” العزيمة التي أبداها المواطن الغزي وإظهاره احتضان المقاومة الفلسطينية وتقديم الغالي والنفيس لها لتحقيق طموحاته وما يصبو إليه من كسر الحصار والعيش بكرامة وإنسانية كباقي البشر في العالم.1
ومع استمرار التصعيد ضد المدنيين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي رفعت المقاومة الفلسطينية من وتيرة عملياتها ضد الاحتلال، لكن هذه العمليات اختلفت في جوهرها عن تلك التي ينفذها الاحتلال ويقصد من خلالها قتل وجرح المدنيين، فعمليات المقاومة كان تركيزها جنود وضباط الاحتلال، واعتمدت المقاومة في ذلك على عمليات تنفذها خلف خطوط جنود الاحتلال، وهو أمر تم الاصطلاح على تسميته “إنزال خلف خطوط العدو” وهذا المصطلح صار موضوع التحليل وتبادل الآراء بخصوصه من قبل المواطن الفلسطيني الذي وجد في هذه العمليات أداة أكيدة لإعادة الأمل في عقله بأن النصر على هذا الجيش بات حقيقة ممكنة.
مع إشراقة صباح يوم السبت التاسع عشر من يوليو عام 2014م، أعلنت كتائب القسام تنفيذها عملية خلف خطوط قوات الاحتلال الإسرائيلية في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، وشهدت منطقة “أشكول” والشوارع المحيطة بها توتراً أمنياً لا سيما عسقلان تحسباً من عملية تسلل للمقاومة الفلسطينية، وأذكر بأن “القسام” أعلنت في نهار ذلك اليوم تنفيذها عملية وصفتها بـ” النوعية”، حيث أعلنت أن وحدات مختارة من مجاهديها تتكون من 12 مقاتل تمكنت من التسلل صباحاً إلى موقع “أبو مطيبق” الإسرائيلي شرق المحافظة الوسطى وتمكنوا من إنزال خلف “خطوط العدو”، وتمكنوا من مهاجمة دورية مكونة من أربع جيبات، بل إن الكتائب ذكرت أنها قتلت ستة جنود.
ولم يكد المواطن الفلسطيني يحلل ويستوعب حقيقة ما جرى، حتى بدأت الأخبار تصل مع ساعات مساء ذلك اليوم بأن مجموعة أخرى من قوات النخبة في كتائب القسام تمكنت من التسلل عبر نفق في منطقة الريان في محيط صوفا جنوب قطاع غزة وتمكنت من قتل 5 جنود بالرصاص ثلاثة منهم في الرأس واثنين في مناطق مختلفة من الجسم حسب ما ورد في بيان الكتائب الذي وزع على الإعلام.
وبالتوازي مع ذلك بدأت عمليات استهداف دبابات الاحتلال الإسرائيلي من قبل المقاومة الفلسطينية وبخاصة كتائب القسام وسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي تتوالى، فما أن يتم استهداف دبابة وآلية في منطقة “الزنة” شرق خانيونس حتى ننتقل لأخبار أخرى عن استهداف لآليات الاحتلال في بيت حانون شمال القطاع.
لقد وجدتُ طعماً آخر للعمل الإعلامي والصحفي في ذلك اليوم رغم كثرة الأحداث، ولم أفكر بالنوم أو أخذ قسطٍ من الراحة بالمطلق، فالأحداث كانت متوالية ومتصاعدة والصولة فيها كانت للمقاومة الفلسطينية، وكيف لي بالنوم بينما ينتظر المواطن الفلسطيني على أحر من الجمر أخبار إنجازات المقاومة الفلسطينية التي تُعطيه دُفعات من الأمل واليقين بأن النصر قادم لا محالة، رغم تواصل التآمر العربي على أهل غزة، ففي هذا اليوم واصلت جمهورية مصر العربية منع وصول المتضامنين والأطباء والنشطاء الأوروبيين لغزة للمرة الثالثة على التوالي.
انتهى نهار ذلك اليوم بكل الأحداث المُفرحة والسعيدة التي نَقلتُها وعشرات الزملاء الصحفيين للجمهور الفلسطيني المتعطش لكل خبر من شأنه أن يقرب له نهاية معاناة يعيشها في قطاع غزة منذ عدة سنوات بفعل الحصار الذي طال كل مناحي الحياة. انتهي النهار، وبدأت ساعات الليل، وكالعادة كان لا بُدَّ أن ننقل أحداث المعاناة التي سيعيشها المواطنون خلال ساعات الليل، فظلمة الليل كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يتخذها ستاراً لاقتراف المزيد من الجرائم بحق المدنيين.
مضت الساعات الأولى من تلك الليلة وخيم عليها هدوءاً ملحوظاً، وبدون مقدمات بدأت مدفعية وطائرات الاحتلال الإسرائيلي تقصف وبشكل عشوائي المناطق الشرقية من محافظة غزة وبخاصة في أحياء الشجاعية والزيتون والتفاح، وبدأت الاستغاثات تصل تباعاً من حي الشجاعية عن أعداد بالعشرات للشهداء والمصابين. وعلى الفور بدأت رسائل الصحفيين تخرج للعالم وبعضها علا فيه الصراخ ومطالبات المؤسسات الحقوقية والصليب الأحمر للتدخل في سبيل السماح لسيارات الإسعاف بالدخول لحي الشجاعية وإخراج الشهداء والمصابين، عشرات الاستغاثات خرجت لكنها لم تحرك الضمير العالمي.
ومع ساعات ما قبل الفجر بقليل وبينما كان المسلمون يتناولون طعام السحور لصيام ذلك اليوم، صمنا في مجمع الشفاء بدون طعام، فالأجسام المحترقة والمتقطعة التي وصلت إلى المستشفى منعتنا عن تناول أي شيء، بل إن الصرخات التي كانت تصدر من المصابين وبخاصة من شريحة الأطفال والنساء أدخلت المستشفى في حالة من الفوضى نتيجة كثرة أعدادها وعدم استعداد الأطقم الطبية للتعامل مع هذه الكارثة الإنسانية.
كانت حصيلة تلك الليلة وحدها بعدما تكشفت معالم الجريمة أكثر من ستين شهيداً ومئات المصابين، وتحت نار القذائف والصواريخ ترك مواطنو الشجاعية بيوتهم وهربوا نحو المجهول، تركوها، ومنهم من ترك بعض أفراد عائلته إما مفقودين أو شهداء، لكن تلك الصواريخ والقذائف لم ترحم حتى الهاربين وأمطرتهم بحممها فقتلت منهم الكثير خلال هروبهم.
وصلت طلائع اللاجئين في العام 2015م واجتاح الكثير منهم مستشفى الشفاء بغزة، اعتقاداً منهم أنها المكان الآمن لهم بعدما شاهدوا مجازر في الشجاعية، وخلال مكوث الآلاف في المستشفى حيث تتواجد عشرات وسائل الإعلام كان نهار ذلك اليوم من أسوأ الساعات في حياتي، فقد بدأ بعض المأجورين بث الشائعات خلال تسترهم باللاجئين واتهام المقاومة أنها جلبت الويلات للشعب والقضية الفلسطينية، وهي شائعات حاولنا تفنيدها، لكنها كانت في ذلك اليوم أكبر من إمكانياتنا، ولعل السماح بتحويل المستشفى لمكان للاجئين كان خياراً غير موفق وجعل وسائل الإعلام المختلفة لا تعمل بشكل طبيعي، وأثر عليها سلباً.
وخلال ساعات نهار ذلك اليوم، ورغم أمواج الشائعات واتهام المقاومة الفلسطينية، إلا أن المجاهدين بقوا ثابتين في الميدان، وتلقيت خبراً يتحدث عن اشتباكات عنيفة في حي الشجاعية وبالأسلحة الثقيلة بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وهو خبرٌ تلقيته بحرارة تامة، وعلى الفور توقفت الإذاعة التي أعمل بها عن تغطية أخبار باقي محافظات قطاع غزة، وخصصت المساحة لي، حيث بدأت ببث الأمل لدى المواطنين بأن الخير قادم لا محالة وأن المقاومة خرجت من تحت ركام حي الشجاعية لجنود الاحتلال ولتنتقم من جريمتهم في الحي.
وقبل آذان مغرب ذلك اليوم بنحو ساعتين اتصلت امرأة من حي الزيتون وأخبرتني باستهداف منزل لعائلة طافش وأنها غطت شهيداً وجدته تحت أشجار الزيتون في محيط المنزل، وأخبرتني أن هناك صوت أنين يصدر من تحت ركام ذلك المنزل، بكيت بكاء شديداً دون أن أتمكن من تقديم أية مساعدة لها على الرغم أن أحد المستهدفين في المنزل كان شخصا على قرب شديد مني كما أبلغتني تلك المرأة عن اسمه.
وبالتوازي مع ذلك، فقد اشتدت وتيرة الخطر على المنزل الذي يتواجد فيه زوجتي وأبنائي ووالدي بعدما سقطت العديد من قذائف مدفعية الاحتلال في محيط منزلنا وأصابت المنزل المقابل له وسيطرت حالة من الخوف والهلع في صفوف أطفالي، لكني لم أتمكن من تأمين خروجهم من المنزل في تلك الليلة، واتفقنا على بقائهم داخل المنزل وتسليم الأمر لله سبحانه وتعالى، أما أنا فتوجهت لله تبارك وتعالى ورفعت كلتا يدي ونطق لساني والدموع تنهمر من عيوني ولا تتوقف: “اللهم إني استودعتك أمي وأبي وزوجتي وأبنائي. اللهم إنك تعلمُ أنهم أهلي في هذه الدنيا. يا رب احفظهم من كل سوء..”.
في ذلك اليوم لم أجد ما أُفطر عليه سوى الماء واللبن ولم أجد غيره، فالأوضاع ازدادت صعوبة ولم أرد المخاطرة بأحد أفراد مؤسستي لإحضار الطعام لي.
وخلال تناولي طعام الإفطار بكيت بكاءً شديداً حينما رأيت طفلاً صغيراً من حي الشجاعية لم يتجاوز الأعوام الثلاثة، وقد جلس في مقابلة مني وكان يتناول الطعام من آنية في يديه، وما لفت انتباهي توتره وعدم استقراره، فقد كان يقطع طعامه ويغير مكانه أكثر من مرة أشعرني بأنه قائد كبير يخشى استهدافه من طائرات العدو.
كان يوماً سيئاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فقد تحول مستشفى الشفاء بغزة لأكبر تجمع للنازحين تحت وطأة صواريخ وقذائف الاحتلال، وبدأنا نستمع منهم لشهادات عن جريمة مروعة لم يتمكنوا من خلالها من انتشال أهلهم الشهداء.
وخلال ساعات الليل شاهدت أحد الرجال التابعين للمكتب الإعلامي لكتائب القسام وقد طلب مني مقابلته في أحد الأماكن المجاورة للمستشفى لأمر مهم، خرجت بصعوبة كون الأوضاع الأمنية خطيرة، وحينما قابلني قال لي بالحرف الواحد: “جهز نفسك واستعد لخبر كبير سنبلغكم به بعد قليل”، طلبت منه التوضيح لكنه لم يخبرني بالكثير واكتفى بقوله: “ستكون فرحة كبيرة لأهالي الأسرى”، حينها دار في مخيلتي بأن القسام تمكن من أسر أحد الجنود، لكني لم أجزم الأمر.
تواصلت مع مؤسستي وطلبتُ منهم تجهيز أناشيد انتصار وفرحة، وما هي إلا لحظات حتى بدأ خطاب للناطق باسم كتائب القسام، وقد انتظر الجمهور والصحفيين خطاب ذلك اليوم بحرارة بالغة كونه جاء في وقت حرج.
ظهر “أبو عبيدة” وعلى يساره رسماً ليد تُمسك بجندي، لكن لم ينتبه الكثيرين للصورة وركزوا الانتباه على كلمات الناطق باسم المقاومة الفلسطينية. تحدث “أبو عبيدة” عن إنجازات المقاومة وأنها نفذت عملية شرق غزة وقتلت أربعة عشر من جنود الاحتلال بعدما فتحت أبواب الدبابة التي كانوا فيها، وارتفعت نبرته، ليختم خطابه بإعلان أسر أحد جنود تلك الدبابة هو “شاؤول أرون” واسمه ورقمه.
وقبل انتهاء “أبو عبيدة” من مؤتمره الذي نقلته عشرات وسائل الإعلام المحلية والدولية والعبرية، أطلقت مكبرات الصوت في المساجد تكبيرات العيد، وانطلقت مسيرات داخل مستشفى الشفاء الذي تحولت الروح المعنوية فيه من حالة إحباط شديد لدى المواطنين إلى فرحة عارمة ربما جعلتهم يستهينون الدماء والبيوت التي قدموها قبل ساعات معدودة في حي الشجاعية.
لقد تحولت خيمة الصحفيين لحلبة في التحليل السياسي بعد هذه العملية النوعية والكبيرة، فبعضهم تحدث عن شكل رسم اليد التي كانت خلف “أبو عبيدة” وبعضهم ذهب لتحليل مطالب القسام مقابل هذا الجندي وغيرها من الأمور والتوقعات، أما المواطنين فكلٌ منهم يحتضن الآخر، وآخر يسجد ابتهاجاً بما سمع، وهكذا، أما أنا وبعدما خرجتُ برسالة أصف فيها الأفراح التي أعقبت ابتهاج المواطنين بإعلان القسام قد تلقيت دفعةً من اليقين بحتمية نصر هذا الشعب الذي يحتضن مقاومته ويفديها بأهل بيته وأحبابه رغم الألم على نفسه.
