الأربعاء 14 يناير 2026 الساعة 03:23 ص

مقالات وآراء

قبل الحديث عن حرب إسرائيلية في غزة 1-3

حجم الخط
أيمن دلول

تحرص جهات إسرائيلية أو متحالفة معها في الساحة العربية والفلسطينية باستمرار على جعل جبهة غزة ساخنة ومتخوفة من حدوث هجوم إسرائيلي جديد عليها، وهذه السخونة في الغالب تعتمد على أسلوب الشائعات والحرب النفسية، ويسير بموازاتها الجهل من قبل العديد من المواطنين الفلسطينيين، حيث يروجون لشائعات عن حدوث حرب أو عدوان وتجهيزات إسرائيلية للحرب وغيرها من الأحاديث التي يتبادلونها فيما بينهم، لتعود عليهم بالرعب وتوتير الأعصاب، وصولاً لتوقف مسيرة النشاط لبعضهم أو النهضة بالبلد تحت يافطة “الخشية من تدمير مشاريعهم نتيجة الحرب المقبلة” والتي ستكون “بلا هوادة ولن تذر أخضراً في غزة أو يابس”.

 

إن المتابعة للأحاديث التي يتم ترويجها من قبل البعض يشعر وكأن المتحدث في بعض الأحيان يشارك رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” الجلوس معه كأحد أفراد مطبخه الأمني المصغر!!، بل إن البعض من القيادات والمتحدثين على اختلاف مكانتهم يعتمد في الحديث عن سيناريوهات أي حرب أو عدوان على ما تنشره وسائل الإعلام فقط، وهذا خلل كبير بحد ذاته، فالمعلومة التي تأتي من ذلك السبيل مجرد نسبة ضئيلة من الحقائق التي يعتمد عليها صاحب القرار لاتخاذ قراراته.1

 

ونتيجةً لكثرة الحديث هذه الأيام عن حرب في غزة وادعاء اقتراب أجلها، أضع الحقائق التالية بين يد القارئ، والتي من خلالها يمكن الربط واستنباط امكانية حدوث حرب قريبة من عدمها:

 

1- زادت التصريحات الإسرائيلية مؤخرا حول أنفاق المقاومة الفلسطينية ومخاطرها ودورها في أي حرب مقبلة، وأعتقد أن هذا التضخيم يهدف لتضخيم هذه المنظومة وإيجاد المبررات لدى الجمهور الإسرائيلي لأي تغييرات ميدانية يقوم بها الجيش داخل الكيان الإسرائيلي وربطها بـ” خطوة القضاء على الأنفاق”، كما أن التضخيم يهدف لمواصلة استقدام الدعم الأمريكي أو عبر الحلفاء المؤيدين للاحتلال الإسرائيلي على حساب حركة “حماس” إحدى أذرع جماعة الإخوان المسلمين.

 

2- في الآونة الأخيرة قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بالعديد من الإجراءات والتغييرات على أماكن انتشاره في محيط قطاع غزة، وأعاد تموضع آلياته، وهذه خطوة لا يمكن الجزم بأنها استعداداً لحرب جديدة، وإنما قد تكون لمحاولة تهدئة الحالة النفسية لجمهور الذي يخشى من عمليات الحفر التي يقوم بها رجال المقاومة الفلسطينية أسفل بيوته وممتلكاته، كما أنها قد تكون كخطوة لإرباك عمليات الرصد والمتابعة التي تقوم بها المقاومة الفلسطينية لنقاط الاحتلال المنتشرة مقابل غزة.

 

3- الإشاعات التي ينشرها البعض عن حرب في غزة، تسري في أوصالنا في وقت نشاهد بأعيننا أن الكثير من دول وعواصم العالم مشغولة بحروب ونزاعات داخلية وطائفية، وهذا لا يعني أن “إسرائيل” قد تفضل هذا الوقت نتيجة الانشغال العالمي، فهي مشغولة في إدارة دفة تلك الحروب، وتعمل جاهدة على رسم الخارطة المحيطة بها على هواها، وبالتالي فليس من صالحها في الوقت الراهن فتح جبهة بغزة لم تغلق العديد من ملفاتها التي حدثت في حرب عام 2014م بعد.

 

4- صحيحٌ أن العديد من الأطراف الفلسطينية أو العربية المتحالفة مع “إسرائيل” تتمنى مع إشراقة كل صباح أن تستيقظ فلا تجد غزة موجودة على سطح الكرة الأرضية، غير أن الاحتلال الإسرائيلي لا يقوم بحروبه بناء على رغبة حلفائه، وإنما اعتماداً على مصلحته الذاتية.

 

5- في كل حرب تخوضها الأنظمة والدول يتم دراسة النتائج المرجوة التحقق والانعكاس ايجاباً على مجتمع ذلك البلد الذي يخوض المواجهة العسكرية، وبالنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي فيمكن السؤال: ماذا ستحقق “إسرائيل” من وراء حربها على غزة في الوقت الراهن؟ وهل سيكون انجاز أفضل من تشديد الحصار المفروض عليها وخنقها بصمت وبدون ضجيج؟ ثم هل انتهت القضايا العالقة بين غزة والاحتلال ليقوم “بنيامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي بفتح ملفات جديدة خاصة مع استمرار احتجاز جنوده لدى كتائب القسام في القطاع؟.

 

6- من القضايا المهمة التي يجب ألا تغيب عن تفكيرنا أن مفهوم الاحتلال لأنفاق المقاومة الفلسطينية أنها بحاجة إلى عملية كبيرة، والواضح فإن جيش الاحتلال لم يمتلك السلاح الحقيقي أو المعلومة الدقيقة عن تلك الأنفاق وأعدادها وأماكن تواجدها والغرض لكل واحد منها، وبالتالي فسيكون “مخبول” تماماً إن أقدم على الخوض في بحرٍ لُجي دون أن يمتلك غواصة أو سفينة تحميه من الغرق.

 

7- الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن عقولنا قبل الحديث عن وضع اللمسات الأخيرة لأي حرب على غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، هو الثمن الذي سيدفعه في تلك الجولة. أنا لا أتحدث عن تمويل الحرب والعدوان فهو يمتلك مصادر متعددة لهذا الغرض، غير أن حرب العام 2014م ما تحدث عنه الاحتلال حتى الآن هو فقدانه لأربعة جنود محتجزين في يد المقاومة الفلسطينية، وفي ظل الحديث عن تطوير امكانيات المقاومة واستخلاص الدروس والعبر من الحرب الماضية، فلا يمكن أن يتنبأ “نتنياهو” أو غيره بعدد جنوده الذين سيمكثون في معتقلات “حماس” و جناحها العسكري كتائب القسام أو غيرها.

 

8- من النقاط المهمة كذلك، هو أن “نتنياهو” وقبل الخوض بأي خطوة تجاه غزة أو غيرها يحتاج لضوء أخضر من المجتمع الإسرائيلي كي يتقدم، وإلا فأي خطوة منفردة من جانبه تعني تنصل جمهور المشتت أصلاً من توفير أي سند شعبي له خلال أي حرب ستجعل حتماً كل المدن والبلدات الإسرائيلية تحت مرمى المقاومة الفلسطينية.

 

9- الأحداث الميدانية الحالية هي الأكثر هدوءا بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، فالصواريخ متوقفة بالكامل من الخروج عبر أجواء غزة صوب الاحتلال، وبالتالي يجد قادة الاحتلال أنفسهم أمام أسئلة صعبة يتصدرها: لماذا نقوم بحرب في غزة ولا يأتينا منها أي خطر في الوقت الراهن؟.

 

10- غالبية التصريحات التي تتحدث عن ضرورة الهجوم على غزة يقوم بها قادة عسكريون إسرائيليون، ولحظة اندلاع المواجهة لا يمكن للعسكري إدارة محرك طائرته أو دبابته إلا بالحصول على ضوء أخضر من قيادته السياسية، وهذا أمرٌ لم يحدث في الوقت الراهن، ويبدو أن الأسباب لم تتهيأ له للحدوث بالشكل المناسب بعد.

 

11- الجانب السياسي في “إسرائيل” وقبل التوجه لحرب في غزة يقع على كاهله إعداد قائمة كبيرة من التجهيزات والأهداف والرؤية المرجوة منها، على أن تتضمن الأبعاد الدولية والأبعاد الداخلية الإسرائيلية من وراء تلك المواجهة، وهو أمرٌ لا يمكن الجزم بتجهيزه في الوقت الراهن، خاصة في ظل غياب المعلومة لدى الاحتلال عن أسلحة المقاومة ومخازنها وجهود تطويرها، فعدد الصفعات للتكنولوجيا العسكرية للمقاومة خلال حرب عام 2014م لا تزال آثارها واضحة على وجه “نتنياهو” وحكومته.

 

من خلال البنود سابقة الذكر يمكن الاطمئنان من قبل المواطن الفلسطيني العادي بأن الأجواء العامة لم تنضج بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي للخوض في مواجهة جديدة ضد غزة، فتجهيزاته وأوضاعه لا تميل لصالحه في هذا الوقت، أما نظرة المقاومة الفلسطينية وما هو متوفر من معلومات عنها، فسأتحدث عنها في الجزء الثاني من المقال بإذن الله تعالى.