تواصل الاستهداف الإسرائيلي لبيوت المواطنين المدنيين في قطاع غزة وممتلكاتهم الخاصة، دون وجود ارتباط لها بالأهداف العسكرية، وفي هذه الأوقات تم التوافق في إدارة المؤسسة التي أعمل فيها لاعتماد محدد إعلامي للرسائل والخطاب الإعلامي الموجه للجمهور يعتمد على ذكر: بأن الاستهداف للمدنيين بهذا الشكل المكثف، إنما هو نابع من حالة التخبط التي تعيشها قوات الاحتلال وعدم تمكنها من الوصول لرجال المقاومة الفلسطينية الذين أوجعوها خلال هذه الحرب، فقد كان واضحا أن خطة أمنية اتبعها المقاومون حالت دون وصول قوات الاحتلال الإسرائيلي إليهم وقتلهم مقارنة بالحروب والموجهات الماضية مع قوات الاحتلال.1
وفي الغرف المظلمة كانت العديد من أجهزة المخابرات العربية تبحث مع الاحتلال الإسرائيلي آليات تدمير قطاع غزة والقضاء على مقاومته، ولذلك فقد شهدت هذه الحرب حالة صمت غير مبرر من الأنظمة العربية والإسلامية، وبالتوازي مع ذلك فقد وصل وفد الشاباك الإسرائيلي بقيادة “يورام كوهين” إلى القاهرة للتوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق نار وصولا إلى التهدئة، وقد كانت وكالة ((فرانس برس وبي بي سي البريطانية)) نقلت عن مسؤول إسرائيلي عصر ذلك اليوم “الخميس” أنه تم التوصل لاتفاق سيدخل حيز التنفيذ صباح الجمعة إلا أن “إسرائيل” و” حماس” نفتا توصلهما لهدنة وقف إطلاق نار.
على الرغم من كل ذلك الذي يجري، إلا أن التحركات التي قامت بها المخابرات العربية والشاباك الإسرائيلي ما كان لها أن ترى النور إلا بعد الضغط الذي مارسته الأمم المتحدة بعد حالة الضغط التي قام بها نشطاء ومتضامنون مع القضية الفلسطينية في الدول الأوروبية للمطالبة بوقف العدوان على غزة.
التحرك الذي قامت به الأمم المتحدة كان ظاهره المطالبة بهدنة إنسانية لمدة خمس ساعات تبدأ في الساعة العاشرة من صباح الخميس وتنتهي الساعة الثالثة لتمكين توصيل الاحتياجات الإنسانية للسكان.
وبالعودة إلى صباح الخميس ذلك اليوم، فقد كنتُ خرجت برسالة إخبارية خلال ساعات الليل حول تدمير طائرات الاحتلال الإسرائيلي منزل لعائلة السرساوي في حي الشجاعية شرق غزة، وفي ساعات الصباح تفاجأت باتصال على هاتفي من رقم جوال غريب، فتحت الهاتف، فكان الاتصال من امرأة كانت تبكي بشدة، وبصعوبة هدأت من توترها وبشرتها بأجر الصابرين، فبدأت تشرح قصتها لتخبرني أنه تم تدمير منزل عائلتها المكون من خمسة طوابق وكانت تبكي بشدة وأخبرتني أنهم لم يقوموا بالانتهاء من سداد ديون بناء المنزل، طلبت منها الصبر فخفت حدة حزنها وتحولت نبرة صوتها إلى تحدي وحملتني أمانة قالت فيها: “أوصل رسالة كصحفي أننا الآن نجلس فوق ركام منازلنا ولن نتركها ولن نهرب، لتعلم “إسرائيل” أننا سنبقى ندعم المقاومة ونؤيدها ولو قدمنا لذلك دمائنا وأبنائنا..”، باختصار فقد كانت تلك المرأة التي هاتفتني من عائلة “السرساوي” التي تم تدمير منزلها خلال ساعات الليل، وحينما علمتُ ذلك تلعثمت كلماتي ولم أعرف ماذا أرد عليها، فقد كانت عزيمتها ومعنوياتها أكبر كثيراً من إيجاد كلمات تكافؤها.
وفي ذلك اليوم خرجتُ من مستشفى الشفاء في غزة بعد أن بدأ سريان وقت التهدئة التي أعلنتها الأمم المتحدة، وبدأت أتجول في شوارع غزة لأجد بأن الحياة عادت بشكل كبير إلى شوارع القطاع رغم الدمار الذي أصابها، فكانت غزة بحق مثل طائر العنقاء الجريح الذي يرفع رأسه رغم الدماء التي تنساب منه، تنقلت في نقاط مختلفة قبل العودة إلى مكان عملي مرة أخرى.
وعند العودة كانت مفاجأة حينما وجدت راتبي الشهري وقد وصلني، فأكبرت حركة “حماس” التي أعمل في إحدى مؤسساتها، وكان الراتب بمثابة ماءٍ باردٍ على قلبي جعل يقيني بأن النصر قادم لا محالة ما دام في شعبنا حركة منظمة مثل حركة “حماس” تعمل في هذه الأجواء الصعبة، بل وتنجح.
انتهت التهدئة المعلنة، ومع انتهائها بدأ تصعيد غير مسبوق من قبل الاحتلال الإسرائيلي في كافة أرجاء قطاع غزة، وبدأ تصعيد الاحتلال بارتكاب مجزرة كان ضحيتها في مساء ذلك اليوم ثلاثة أطفال من عائلة “شحيبر” كانوا يلعبون ويلهون على سطح منزلهم في حي الصبرة بمدينة غزة، وقد كان مؤلما عودة مشاهدة الأجسام المقطعة والمحترقة لأجسام أطفال لدى وصولهم إلى مستشفى الشفاء بغزة.
لقد بدا واضحا للوهلة الأولى أن “إسرائيل” أرادت من وراء تصعيد العدوان بشكل كبير أن تجعل المواطن الفلسطيني ينتفض على المقاومة الفلسطينية بعد مشاهدته لبعض آثار العدوان في قطاع غزة، وقد كانت الليلة التالية للتهدئة عنيفة للغاية فالمدفعية والزوارق الحربية والطائرات بكافة أنواعها استهدفت الكثير من النقاط والبيوت وكان غالبها الأعظم يعود للمدنيين الآمنين.
أما على صعيد المقاومة الفلسطينية، فقد ثبتت في الميدان ونفذت العديد من العمليات الجريئة خلال هذه الليلة، وبعد منتصف الليل بقليل أعلنت “إسرائيل” رسميًا مقتل رقيب وإصابة خمسة من الجنود اثنين منهم بحالة حرجة في الاشتباكات مع كتائب القسام قرب قرية أم النصر شمال قطاع غزة بعد أن حاولت قوة إسرائيلية خاصة التسلل فجراً قرب موقع “عسقلان” التابع لكتائب القسام حيث نصب كميناً محكماً هناك يتكون من 5 عبوات ناسفة وعدد من مقاتلي النخبة، كما أعلنت قوات الاحتلال عن سقوط 70 صاروخ حتى الساعة الثالثة عصراً.
اشتد القصف والعدوان بشكل أكبر، ولم تظهر أي بوادر لتخفيف حدته في تلك الليلة، الأمر الذي أكد وبدا واضحاً من خلاله “وبحكم تجربتنا من حرب عام 2008-2009” أنه تمهيد لعملية برية ضد قطاع غزة. وبالفعل حدث ما توقعناه حينما أعلن رئيس وزراء العدو الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” البدء بعملية برية جعل هدفها تدمير ما أسماه “أنفاق حركة حماس”، وخلال الليل ومع سماع وتغطية الاستهدافات التي يقوم بها الاحتلال استقطعت عدة دقائق واتصلت بأهل بيتي وحاولت تطمينهم وتأمين مبيتهم داخل المنزل، خاصة وأن القصف استهدف بشكل كبير نقاطاً مختلفة في أحياء شرق مدينة غزة وبينها حي الزيتون “حيث تسكن عائلتي”.

